وكأنّما ألفاتها قضب اللّوى * وكأنّما همزاتهنّ حمام
صلّى وراءك كلّ من عاصرته * علما بأنّك في البيان إمام
وكأنّ قبرك للعيون إذا بدا * « قصر عليه تحيّة وسلام » « 1 »
لما تغيّب في التراب جمالهم * قعدوا لهول عاينوه وقاموا
ما كنت إلّا فارس الكتب التي * فيها تعرّق صنعها الأقلام
ما محنة نزلت بعترة غانم * هانوا وهم في العالمين كرام
يا قبره لا تنتظر سقيا الحيا * حزني ودمعي بارق وغمام
لي فيك خلّ كم قطعت بقربه * أيّام أنس والخطوب نيام
لذّت فلذت بظلّها فكأنّها * لقياد لذّات الزمان زمام
أسفي على صحب مضى عمري بهم * وصفت بقربي منهم الأيّام
« ثمّ انقضت تلك السنون وأهلها * فكأنّنا وكأنّهم أحلام » « 2 »
بالرغم مني أن أفارق صاحبا * لي بعده ضرّ النوى وغرام
يا من تقدّمني وسار لغاية * لا بدّ لي منها وذاك لزام
قد كنت أحسبه يرثّيني فقد * عكست قضيّته معي الأحكام
أنا ما أراك على الصّراط لأنّه * بيني وبينك في الأنام زحام
إذ قد سبقت خفيف ظهر لا كمن * قد قيّدت خطواته الآثام
فاز المخفّ وقد تقدّم سابقا * وشفيعه لإلهه الإسلام
فاذهب فأنت وديعة الرحمن لي * يلقاك منه البرّ والإكرام
ويجود قبرك منه غيث سماحة * بالعفو صيّب ودقها سجّام
ولقد قضيتك حقّ ودّك بالرّثا * والحرّ من يرعى لديه ذمام
خلّفتني رهن التندّم والأسى * تعتادني الأحزان والآلام
هامش
( 1 ) صدر بيت لأشجع السلمي ، وتمامه « خلعت عليه جمالها الأيام » .
( 2 ) من شعر أبي تمام .