لكنت أسلّي النّفس عمّا أرومه * وكنت أذود العين عمّا تراقبه
وما أنا ممّن يملأ المال عينه * ولا بسوى التقريب تقضى مآربه
ومن عجب أني لدى البحر واقف * وأشكو الظّما والبحر جمّ عجائبه
وغير ملوم من يؤمل قاصدا * إذا عظمت أغراضه ومآربه
وقد رضت مقصودي فتمت صدوره * ومنك ترجّى أن تتمّ عواقبه
فلما وقف الخليفة عليها أعجبته كثيرا ، فاستدعاه سرا بعد مضيّ شطر من الليل ، فدخل من باب السرّ إلى إيوان فيه ستر مضروب ، فقبّل الأرض ، فأمر بالجلوس ، فجعل الخليفة يحدثه ويؤنسه ، ثم أمر الخدام فرفعوا الستر ، فقبل الأرض وقبّل يده ، فأمر بالجلوس فجلس ، وجاراه في أنواع من العلوم وأساليب الشعر ، وأخرجه ليلا وخلع عليه خلعة سنية : عمامة مذهبة سوداء وجبة سوداء مذهبة ، وخلع على أصحابه ومماليكه خلعا جليلة ، وأعطاه مالا جزيلا ، وبعث في خدمته رسولا مشربشا « 1 » من أكبر خواصه إلى الكامل يشفع فيه في إخلاص النية له وإبقاء ملكه عليه والإحسان إليه ، وبلغ الكامل فخرج إلى تلقيهما إلى القصر ، وأقبل على الناصر إقبالا كثيرا ، ونزل الناصر بالقابون وجعل رنكه « 2 » أسود « 3 » انتماء إلى الخليفة ، وكان الخليفة زاد في ألقابه ب « الولي المهاجر » مضافا إلى لقبه ، وتوجه من دمشق والرسول معه ليرتبه في الكرك ، وذلك سنة ثلاث وثلاثين وستمائة .
هامش
( 1 ) مشربشا : يلبس شربوشا وهو قلنسوة طويلة تلبس بدل العمامة ، وكانت شارة للأمراء ( ملحق دوزي ) .
( 2 ) الرنك لفظ فارسي معناه اللون ، وهو يستعمل بمعنى الشعار الذي يتخذه الأمير لنفسه عند تأمير السلطان له علامة على وظيفة الإمارة التي يعين عليها ( حاشية السلوك 1 : 672 رقم : 4 ، وانظر صبح الأعشى 4 : 61 - 62 ) .
( 3 ) ص : أسودا .