الصّعب والذّلول ، ويحمل على التأويلات ما تنفر منه النّفوس وتستنكره « 1 » العقول ، [ 138 ظ ] فذلك عندنا من أردى المذاهب وأسوأ طريقة ، ولا يعتقد أنّه تحصل / معه النّصيحة للدّين على الحقيقة ، وكيف يقع أمر مع رجحان منافيه ؟ وأنّى يصحّ الوزن بميزان مال أحد الجانبين فيه ؟ ومتى ينصف حاكم ملكته عصبيّة العصبيّة ؟ وأين يقع الحقّ من خاطر أخذته العزّة بالحميّة ؟ وإنّما يحكم بالعدل عند تعادل الطرفين ، ويظهر الجور عند تقابل المنحرفين .
« هذا ولمّا برز ما أبرزته من كتاب « الإلمام » وكان وضعه مقتضيا للاتساع ومقصوده موجبا لامتداد الباع ، عدل قوم عن استحسان إطابته ، إلى استخشان إطابته ، ونظروا إلى المعنى الحامل عليه فلم يقضوا بمناسبته ولا إخالته ، فأخذت في الإعراض عنهم بالرأي الأحزم ، وقلت عند [ سماع ] قولهم : شنشنة أعرفها من أخزم « 2 » ، ولم يكن ذلك مانعا [ لي ] من وصل ماضيه بالمستقبل ، ولا موجبا لأن أقطع ما أمر اللّه به أن يوصل :
فما الكرج الدّنيا ولا النّاس قاسم « 3 » »
هامش
( 1 ) هنا ينتهى الخرم السابق في النسخة ز .
( 2 ) من أمثال العرب ، قال ابن الكلبي : إنه لأبى أخزم الطائي ، قال ابن برى : كان أخزم عاقا لأبيه ، فمات وترك بنين عقوا جدهم ، وضربوه وأدموه ، فقال هذا الشعر :إن بنى زملوني بالدم * شنشنة أعرفها من أخزم
من يلق آساد الرجال يكلموالشنشنة : الطبيعة والعادة ، يعنى أن هؤلاء أشبهوا أباهم في العقوق ، وروى أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قال لابن عباس حين شاوره فأعجبه كلامه : « شنشنة أعرفها من أخزم » ، وذلك أنه لم يكن لقرشي مثل رأى العباس بن عبد المطلب ، فشبهه عمر بأبيه في جودة الرأي ؛ انظر : مجمع الأمثال 1 / 318 ، واللسان 13 / 243 .
( 3 ) الكرج - بفتح أوله وثانيه - مدينة بين همذان وأصبهان ، وهي إلى همذان أقرب ، وأول من مصرها أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي وجعلها وطنه ، وإليها قصده الشعراء وذكروها في أشعارهم ، ودخل أبو دلف مرة على المأمون فقال له : أنت الذي يقول فيه علي بن جبلة :إنما الدنيا أبو دلف * بين مبدأه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف * ولت الدنيا على أثره-