وقال لي شيخنا قاضى القضاة بدر الدّين [ محمد ] بن جماعة الكنانىّ رحمه اللّه تعالى :
دخلت عليه منزله بقوص فرأيت عليه قميص برد ثوب جندىّ ، فسأله شخص عن ذلك [ 95 ظ ] فقال : دخل علىّ / فلان ورأيت عليه ثوبا خلقا ، عورته تبدو منه ، فقلعت ثوبي أعطيته ، وجعلت علىّ ملحفة ، فدخل فلان صاحبنا الجندىّ ، وأعطاني هذا الثوب فلبسته .
وحكى عنه تلميذه الإمام العلّامة بهاء الدّين « 1 » هبة اللّه القفطىّ أنّه كان في سنة قد حصل فيها غلاء كبير ، حتّى إنّ أكثر النّاس لا يجدون إلّا بعض البقول يقتات به قال : فسأل شيخنا مجد الدّين عن حال النّاس ، فذكروا له أنّهم يقتاتون ببعض البقول فالتزم أنّه لا يأكل إلّا ممّا يأكل النّاس ، وما زال يأكل منه حتّى ظهر الخبز في السّوق ، قال : وقال لي : يا بهاء الدّين رفعت عنّى شهوة المأكل فلا أبالي ما أكلت ، وشهوة الملبس فلا أبالي ما لبست ، وشهوة الجاه .
وكان رحمه اللّه كثير الشّفقة على خلق اللّه [ تعالى ] ، حكى أصحابنا أنّه كان عنده شخص يشفق عليه ، فقال له بعض أصحابه : يا سيّدى هذا فيه قلّة دين - لينقصه عنده - فقال الشّيخ : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العلىّ العظيم ، كنّا نشفق عليه من جهة الدّنيا ، صرنا نشفق عليه من جهة الدّين .
وكان رحمه اللّه يسعى لطلبته على قدر استحقاقهم ، فمن يصلح للحكم سعى له فيه ، ومن يصلح للتّعديل سعى له فيه ، ومن لم يصلح [ لهما ] سعى له في إمامة أو في شغل ، وإلّا أخذ له على السّهمين راتبا ، حتّى جاءه بعض النّاس وشكا له ضرورة ، قال له :
اكتب قصة للقاضي فأنا أتحدث معه ، فكتب : « المملوك فلان يقبّل الأرض ،
هامش
( 1 ) هو هبة اللّه بن عبد اللّه ، وستأتي ترجمته في الطالع .