وقرأ القراءات على الأستاذ الأوحد أبي إسحاق الغافقي ، والنحو عليه أيضا .
وكان أبو عبد الله بن هاني المذكور - كما قال بعض من أخذ عنه - حجة لسان العرب ، الفائز من هذا الفن بغاية الإرب ، أحرز صنوف الإحسان في التصنيف ، ويعرف في علم الإعراب والتصريف ، فكان يعلم العلم ومعناه ، ولفظه [ 291 / آ ] الموضوع على معناه ، انقادت له شوارد المعاني وآبدها ، وعمرت به معالم العلوم ومعاهدها ، وما زالت مطالع الأدب مشرقة ببدره ، وجواهر العلم مستخرجة من بحره إلى أن أفل نجمه الزاهر ، وغاض بحره الزاخر ، فتصعب « التسهيل » من بعده ، وانطفأ « المصباح » لفقده ، وصار « جمل » أبي القاسم محمّلا ، وأضحى « إيضاح » أبي علي مقفلا ، وعزي سيبويه في كتابه .
قلت : دفن معه تحت ترابه ، كان - رحمه الله تعالى - ذات نفس شريفة ، وهمة رئيسة ، وأخلاق جميلة ، وأوصاف جليلة ، يصمت عن وقار ، ويتكلم بألفاظ كأنها بيان أزهار ، قد هذب العلم طبعه ، وعمّر الأدب رمقه ، صنف التصانيف المستجادة المشهود له فيها بالإجادة منها ، « شرح تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد » ، وفي هذا الشرح ظهر علمه ، وعلم كيف يغوص على الغوامض فهمه ، ومنها :
كتاب جليل في لحن العامة لينتفع بها الخاصة والعامة ، وله تقييد على سيبويه ، أحرز فيه قصب السّبق ، وبرز في ذلك على من بالغرب والشرق ، وبالجملة فكان - رحمه الله - بديع الزمان في هذا الزمان ، والمشار إليه بالبنان في مجالس البيان .
نشأ بسبتة ، حلّ بأعلى أفضل سنن ، ذاهبا إلى كل مذهب حسن ، استفاد ، ثم أفاد وجدّ إلى أن أجاد ، وأدرك جماعة من الأكابر بسبتة والأعلام ، وأخذ عن جملة من ذوي الأعلاء والأعلام ، كالأستاذ العلامة أبي إسحاق الغافقي ، وهو شيخه الذي اغترف من بحره ، واقتطف من زهره ، وعكف على القراءة عليه ، ونفعه الله تعالى بما لديه .
معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار — صفحة 1540
مساهمون: الذهبي
ص١٥٤٠