66 - أبو محمد عبد العالي السليماني :
قال الحربي : أخبرني من نثق به أنّ رجلا كان إماما بجامع الزيتونة بالقيروان ، فذهب يوم الجمعة لصلاتها والخطبة ، فعرضه في طريقه الشيخ سيدي عبد العالي وهو يشرب في السّبسي « 1 » ، فانتقد عليه في سرّه وقال : هذا مجنون ، بخّر ثيابي بهذه الرائحة الخبيثة ، وأنا رائح « 2 » إلى المسجد ، فلما فرغ المؤذن ، قام على المنبر يخطب فلم يتيسّر له ، ولم يفتح عليه بشيء ، وفقد جميع ما عنده من العلم ، فعلم أنه أخذ من اعتراضه على الشيخ فأناب غيره في الخطبة والصلاة ، وذهب إلى الشيخ وصار يتمرّغ « 3 » عليه ويقول له : يا سيدي سامحني فأنا تائب إلى اللّه ، فردّ إلي علمي فقال له الشيخ : اذهب إلى جبانة الغرباء ، فإذا وصلت إلى القبر الفلاني يخرج لك بوكشاش ويقف قدّامك فقل له : يا بو كشاش يقول لك عبد العالي : رد علي علمي ، فذهب إلى الجبانة فلما وصل إلى القبر الذي عيّنه له ، خرج له بوكشاش ووقف قدّامه فقال له المقالة المذكورة فكش في وجهه فرجع له ما فقده من العلم في حينه .
قلت : ومثل هذه كثيرا ما وقعت للأولياء على ما حكاه سيدي عبد الوهاب الشعراني وغيره ومثلها وقعت من شيخنا سيدي عبد القادر الجيلي ، سلب جماعة من العلماء جاءوا ليمتحنونه انظرها في البهجة .
قال الحربي : وأخبرني من نثق به أن الشيخ سيدي عبد العالي قصد زيارة الشيخ البركة سيدي عمر الكناني نفعنا اللّه ببركاته ، فصنع خبزة ، واشترى دوّارة « 4 » وجعلها طاجينا « 5 » في الفرن ، وذهب بها للزاوية ، فلما وصل للضريح وكان الوقت مساء جاءه خديمه وقال له : يا سيدي لحقنا كثير من الناس من أهل القيروان نحو الأربعمائة إنسان ، فقال له الشيخ : يلزمنا عشاؤهم ، هات تلك الخبزة والطاجين ، فأتاه بهما وكسّر الخبزة قطعا وغطاهما بثوبه وصار يخرج لكل إنسان كسرة وعصبانة والخديم يفرق على الناس حتى لم يبق أحد ، فجاء للشيخ وقال له : لم يبق أحد إلا
هامش
( 1 ) السّبسي : هو عود مثقوب الوسط مصنوع من عود نبات الدّفلة يستعمل في تدخين الكيف وهي عشبة الحشيش .
( 2 ) رائح : بمعنى ذاهب .
( 3 ) يتمرغ : كلمة عامية ، بمعنى يتقلب .
( 4 ) دوّارة : أحشاء البهائم كالبقر ، والغنم ، والإبل وغيرها .
( 5 ) طاجينا : صحن مصنوع من الطين .