عبد الباقي على العزية وهو ممن ترجى بركاته ومن خوف اللّه سبحانه تتوالى عبراته ، وتلتهب زفراته ، اجتمع بالشيخ العارف العلامة من ملأ بمعارفه وعلومه النواحي ؛ أبي إسحاق سيدي إبراهيم الرياحي ، وطلب كل منهما صالح الدعاء لصاحبه ، وحجّ واعتمر ، واجتمع ببعض مشايخ مصر ، وعرفوا قدره من الكمال الذي عليه احتوى .
مات مسنا مرتقبا إكرامه من اللّه سبحانه وتعالى إنه ذو الفضل العظيم ، والنّوال الجسيم في التاريخ المذكور .
166 - الشيخ الصالح المربي أبو الحسن بن أبي عباس أحمد اليوسفي الدهماني :
هذا الشيخ جليل المقدار ، عالي المنار ، مشتغل بالذكر ، آناء اللّيل وأطراف النهار ، رحل إلى تونس صغيرا واستوطنها وتزوج فيها وأخذ الطريقة الخلوتية على الشيخ الصالح العارف المربي سيدي البشير وخدمها فبلغ مقام التربية فيها وأخذها عليه خلق كثير . وكان زاهدا في دنياه ، يقبل ما يأتيه من الفتوح ، وينفقه على الفقراء الذين بداره ، متأهلين للذكر ، ولا يبيت عنده شيء مما يأتيه ، وتولى الإمامة ، والخطبة بتونس ، ولقد سافرت لتونس سنة سبع وأربعين ومائتين وألف ووجه معي والدي صابونا لأنه يعرفه ، فلما قدمت لتونس ، اشتغلت بحرفتي وأخرته وقلت في نفسي : ادفعه له حين نفرغ ، فلم أتذكر ذلك إلا ليلة الرجوع للقيروان ، فأتيته به وقرعت الباب فخرج لي فأول ما شافهني به أن قال : إنك أتيت ولك مدة ولم تأت أول مجيئك فقلت : يا سيدي المعذرة فإنه أهمني ما اشتغلت به وقلت في نفسي :
لا تفوتني مقابلة الشيخ وزيارته ، فلم يقبل المعذرة ولم يسمح إلا بعد كلام كثير جرى بيني وبينه وآخره قال : لولا والدك يحبنا ويعتقدنا ، ما قبلتك ولا قبلت من يدك هذا الذي أتيت به فحينئذ أدخلني إلى الدار ، وأضافني بفطائر وعسل ، فأكلت منه قليلا فلكزني وأغلظ علي وقال لي : هذا الطعام هو الذي تأكل منه كثيرا ، فأكلت حتى رضي ، ثم إنه قرأ لي ولأولادي فاتحة ، وخرجت ثم إني سافرت مرة أخرى ، فوجدته قد مات ، فزرت ضريحه بدار يسكن فيها المرحوم المنعم العدل نعمان المنستيري لأنه صهره ، وهو الذي أوصلني إليه ببيت ضريحه على يمين الداخل لها بالحجّامين ، وأخبرت أنه توفي عام اثنين وخمسين ومائتين وألف ، وطلعت عليه ناس كثيرة ، والباشا مصطفى بن الباشا محمود ورجال دولته راغبين في بركاته رحمه اللّه .