عالت الفريضة فقال العبيدلي : أيتكلم بكلام العلماء في هذا المكان ، لا آكل هذا الطعام . وقام وخرج ، فقام الفقيه أبو عبد اللّه محمد ولد الشيخ الرماح وقال لوالده :
أهكذا يمثل بك في هذا المجلس ! وأنت شيخه ، وعليك تعلّم العلم ، ولولاك ما ظهر ؟ فقال له : المشي إلى مكة يلزمني . وكان قد حجّ قبل ، [ ثم قال له ] « 1 » : لا أرضى عليك ، حتى تمشي وتعرّفه بما قلت ، ويبعث لي بأنه سامحك « 2 » ، فمشى إليه وقال : يا سيدي لمّا قلت ما قلت ، وخرجت ، أخذتني الحميّة عن والدي فقلت :
كذا ، وكذا ، وحلف والدي بكذا ، حتى تسامحني ، فقال له : أنت في حلّ ، وبعث الشيخ بأنه سامحه .
وكان الشيخ أبو عبد اللّه محمد الرماح يفتي بجواز شركة الخماس بالقيروان لكمال « 3 » ضرورتهم ، إذ لا يجدون أجيرا بحال ، وفعله في حرثه فأخذ خمّاسا ، وتبعه مفتيها بذلك شيخنا أبو محمد الشبيبي ، وكان في زمانه يعطي للخمّاس قفيزا شعيرا وسبّاطا « 4 » ، وتبعه مفتيها بذلك شيخنا أبو الفضل البرزلي لما تولّى الفتوى بعده بالقيروان ، وجميع التونسيين يفتون بتحريم ذلك ، وإن وقعت شركته فإنما هو أجير خاصة . وإذا فرّعنا على الثاني فمن فعل ذلك فليس بجرحة في شهادته ولا في إمامته . بذلك أشار شيخنا أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن عرفة الورغمي في قبوله لقول الشيخ أبي محمد عبد السلام بن عبد الغالب في وجيزه .
ذكر وفاته وما يتعلق بذلك
دخل بعض الصالحين عليه في مرضه الذي مات فيه ، فوجده متوسّدا حجرا ، وتحته حصير حلفاء قديمة ، فقال لولده أبي عبد اللّه محمد : يا ولدي أهكذا تترك الشيخ ؟ فقال له : كل ما نفرش له ونرفهه به ، يتركني حتى نغيب عنه ثم يزيله من تحته ، ونجده هكذا ، فكلمته في ذلك ، فقال لي : يا بني ما نحب نلقى اللّه إلّا وأنا بهذه الحالة .
هامش
( 1 ) سقط من : ت .
( 2 ) في ت ، زيادة : ويسامحني .
( 3 ) ت : لتكمال .
( 4 ) سبّاطا : حذاء ، أو نعلا .