فصل في ابتداء أحوال الفلسفة [ أو الحكماء قبل ظهور الاسلام ]
واعلم [ ان الحكمة تطلب إمّا للعمل بها ، وتسمّى حكمة عمليّة ، أو لتعلم فقط ، وتسمى علمية ، فمن الحكماء من قدّم العملي على العلمي ، ومنهم من أخّره . فالقسم العمليّ هو عمل الخير ، أعني تهذيب الأخلاق ، والعلمي هو علم الحقّ أعني معرفة أعيان الموجودات .
والقسمان يمكن الوصول إليهما بالعقل الكامل ، إلّا أنّ الاستعانة في القسم العملي بغيره أكثر ؛ والأنبياء أيّدوا بأمداد روحانية لتقرن القسم العمليّ وطرفا ما من القسم العمليّ ؛ والحكماء تعرّضوا لأمداد عقليّة تقرر القسم العلمي وطرف ما من القسم العملي .
فغاية الحكيم أن يتجلّى لعقله كل الكون ويتشبّه بالإله الحقّ سبحانه وتعالى بغاية الإمكان ؛ وغاية النبيّ عليه السلام أن يتجلّى لعقله نظام الكون ، فيقدر بذلك على مصالح العامّة حتى يبقى نظام العالم ، وتنتظم مصالح العبد ، وذلك لا يتأتّى إلّا بترغيب وترهيب وتخييل فكل ما وردت به أصحاب الشرائع مقرّر عند الحكماء على ما ذكرنا إلّا من أخذ حكمته من مشكاة النبوّة فإنّه يعتقد كمال درجتهم .
فمن الحكماء حكماء الهند من البراهمة المنكرين للنبوّات ؛ ومنهم حكماء