تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
الاقتداء بهم والتشبّه بأفعالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم ، وسلوك السبيل إلى اللّه عزّ وجلّ على آثارهم نعمة عظيمة وعطيّة جزيلة وعبرا كثيرة ، فإنّ الناظر في أسرار اللاهوت ، والمشتاق إلى معاينة أنوار الملكوت ، لا ينبغي أن يقتدي بغير أولئك الأساطين ، ولا يهتدي إلّا بأنوار الحكماء الفاضلين والأنبياء المرسلين ، ولا يعوّل على أحد من أبناء الشياطين ، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، فالزّمان قد خلا عن أمثال هؤلاء الفضلاء وصار الخلق كلّهم إلّا من شاء اللّه تعالى مغمورين بجهالة الجهلاء ، فإن كنت من الطالبين المجدّين ، وأهل العقل المهتدين ، فعليك باتّباع أثرهم ، والفحص عن حقيقة خبرهم ، فمثلهم بين عينيك ، ولتكن أفعالك وأقوالك صادرة على ذلك المنوال ، وواردة على ذلك المثال ، لعلك بهذا الاجتهاد تنخرط في سلكهم ، وتنتظم في عقدهم ، وتقف على الأسرار العظيمة التي قد طويت بعدهم ، ولا تطمع في الوقوف على ذلك كلّه بغير سلوك خالص وتجرّد بالغ ، وانسلاخ عن الدنيا يشبه انسلاخ الحيّة عن جلدها ، وتقدم على التواريخ المفصّلة مقدمة وكلاما في حقيقة الحكمة والفلسفة وأحوال الحكماء اليونانيين ووصف بلادهم وغير ذلك على سبيل الجملة « 1 » . أما الكلام النبويّ الدّالّ على تفخيم الحكمة وتعظيمها ما ورد عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنّه قال : ما أنفق منفق ولا تصدّق متصدّق بأفضل من كلام الحكمة إذا تكلّم به الحكيم والعالم فلكلّ مستمع منهم منفعة . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : نعم الهديّة ونعمة العطيّة الكلمة من كلام الحكمة يسمعها الرجل المؤمن ثم ينطوي عليها حتى يهديها لأخيه المؤمن . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها من حيث وجدها ولا يبالي من أيّ وعاء خرجت .
هامش
( 1 ) ح . م . : نلاحظ أن المؤلف بعد مقدمته لم يورد اسم الكتاب واسم المؤلف كما جرت عليه عادة التأليف في عصره .