[ وقال ] « 1 » ذا النون المصري « 2 » : الزهد يورث الحكمة ، والحكمة تورث الصّحة « 3 » .
وآدم وشيث وإدريس ونوح وشعيب وداود وسليمان كلهم حكماء فضلاء أنبياء اللّه تعالى ، وبعضهم له مصنّفات في الحكمة ، وإذا كانت الحكمة عبارة عن معرفة أعيان الموجودات على ما هي عليها لا غير ، فالأسماء تختلف بحسب اختلاف طرق التعليم ، فإن أدركها بعضهم بزمان يسير من غير تعلّم
بشريّ ، وكان مأمورا من الملأ الأعلى بإصلاح النوع الإنساني سمّيت نبوّة ، وإن كان بالتعلّم والدّراسة سمّيت فلسفة ، ودرجة الحكمة عظيمة ، ومنزلتها مفخّمة ، ولا مرتبة في المعاد عند اللّه سبحانه وتعالى للجاهل بها .
والقرآن والحديث وكلام أساطين المعرفة « 4 » وأهل الولاية مشحون بمدح الحكمة ووصفها . واللّه تعالى وصف نفسه بالحكمة .
وفي الحقيقة ، الحكيم المطلق : هو اللّه تعالى ، وكلّ من أدرك من المعقولات نصيبا سمّي على سبيل التجوّز والاستعارة حكيما ، لدنوّه من اللّه تعالى ، وتشبّهه به ، وقربه منه بالإدراك والعلم الذي هو صفة اللّه تعالى ، لأنه إذا لم يكن القرب زمانيا « 5 » فهو قرب معنويّ ، ودنوّ إدراكيّ ، فإذا كانت السعادة الأبدية هي القرب من اللّه تعالى ومشاهدة جلاله ، ومعاينة كبريائه ، وذلك لا يحصل ، ولا يتيسّر إلّا بالحكمة فلا شيء أعظم منها ، ولا أتمّ فائدة منها .
وقد قال الحكيم الفاضل سقراط : إنّ كلّ من يحضرنا يزعم أنه حكيم ، وإنّما الحكيم أيّها الرجال هو اللّه سبحانه وتعالى ، وقد وصف بعض العارفين الحكمة فقال : النور جوهرها ، والحقّ مقصدها ، والإلهام سائقها ، والقلب
هامش
( 1 ) ح . م . : وقال .
( 2 ) ذو النون المصري : توفى 2045 ه / 859 م . زاهد متعبد من مر له فصاحة وحكمة وشعر ، اتهمه المتوكل الخليفة العباسي بالزندقة فاستحضره اليه وسمع كلامه ثم أطلقه فعاد إلى مصر وتوفي بالجيزة .
( 3 ) أ : ح . ن . : النظر الصحيح .
( 4 ) أ : ح . ن . : الحكمة .
( 5 ) أ : ح . ن . : ومكانيا .