ومما وجدته قد صنعه من الآثار الحسنة ، التي تبقى مدى الأيام ، ونال بها من المثوبة أوفر الأقسام أنه لم يزل مجتهدا حتى اشترى دورا كثيرة ملاصقة « 1 » للبيمارستان الكبير الذي أنشأه ووقفه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى - رحمه اللّه تعالى - « 2 » وتعب في ذلك تعبا كثيرا ، واجتهد بنفسه وماله ، حتى أضاف هذه الدور المشتراة إليه « 3 » ، وجعلها من جملته ، وكبر بها قاعات كانت صغيرة للمرضى ، وبناها أحسن البناء ، وشيدها وجعل الماء فيها جاريا ، فتكمل بها البيمارستان ، وأحسن في فعله ذلك غاية الإحسان .
ولم يزل يدرس صناعة الطب ، وخدم أيضا الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل لمداواة الآدر [ السعيدة ] « 4 » بقلعة دمشق ، ومن يلوذ بها ، والتردد إلى البيمارستان ومعالجة المرضى فيه ، وكتب له منشورا برئاسته أيضا على جميع الأطباء بالشام ، وذلك « 5 » في سنة خمس وأربعين وستمائة .
وخدم أيضا لمن أتى بعده من الملوك ، الذين ملكوا دمشق « 6 » ، وله منهم الجاري المستمر ، والراتب المستقر ، والمنزلة العلية ، والفواضل السنية ، وهو ملازم التردد إلى القلعة والبيمارستان ، ودائم التزيد في العلم في سائر الأزمان . ومما وجدته من علو همته وشرف أرومته ، أنه تجرد لعلم الفقه ، فسكن بيتا في المدرسة القليجية « 7 » التي وقفها الأمير سيف الدين علي بن
هامش
( 1 ) في ه : مجاورة .
( 2 ) في ه : النوري .
( 3 ) في ه : الآدر المشار إليها .
( 4 ) ما بين الخاصرتين ساقط من : ه .
( 5 ) في ه : وكتب له منشورا برئاسة الطب .
( 6 ) في ه : الشام .
( 7 ) المدرسة القليجية أوصى بها الأمير سيف الدين علي بن قليج النوري إلى قاضى القضاة صدر الدين بن سنى الدولة الشافعي وهي تقع بدمشق قبلي الجامع الأموي ، شمالي الصدرية ، وممن درس بها من العلماء : شمس الدين علي بن قاضى العسكر ، وفخر الدين إبراهيم بن خليفة البصروى ، وتقى