وإنّي لا أقول إن الدنيا تعرض عن طالب العلم ، بل هو الذي يعرض عنها ؛ لأن همته مصروفة إلى العلم ، فلا يبقى له التفات إلى الدنيا ، والدنيا إنما تحصل بحرس وفكر في وجوهها ، فإذا غفل عن أسبابها لم تأته ، وأيضا فإن طالب العلم يشرف نفسه عن الصنائع الرذلة ، والمكاسب الدنية ، وعن أصناف التجارات ، وعن التذلل لأرباب الدنيا والوقوف على أبوابهم « 1 » ، ولبعض إخواننا [ بيت شعر ] « 2 » :
من جد في طلب العلوم أفاته « 3 » * شرف العلوم دناءة التحصيل
وجميع طرق مكاسب الدنيا تحتاج إلى فراغ لها ، وحذق فيها ، وصرف الزمان إليها ، والمشتغل بالعلم لا يسعى لشئ « 4 » من ذلك ، وإنما ينتظر أن تأتيه الدنيا بلا سبب ، وتطلبه من غير أن يطلبها طلب مثلها ، وهذا لظلم منه وعدوان ، ولكن إذا تمكن الرجل في طلب العلم وشهر به ، خطب من كل جهة وعرض « 5 » عليه المنصب ، وجاءته الدنيا صاغرة ، وأخذها وماء وجهه موفور ، وعرضه ودينه مصون .
واعلم « 6 » أن للعلم « 7 » عبقه ، وعرفا ينادى على صاحبه ، ونورا وضياء يشرق عليه ، ويدل عليه كتاجر المسك لا يخفى مكانه ، ولا تجهل بضاعته « 8 » ، وكمن يمشى « 9 » بمشعل في ليل مدلهم ، والعالم مع هذا محبوب
هامش
( 1 ) في ه : أحوالهم .
( 2 ) ما بين الخاصرتين ساقط من : أ .
( 3 ) في أ : أفادته .
( 4 ) في و ، ه : يسعه شئ .
( 5 ) في ه : من كل وجه وعرضت .
( 6 ) في و : قال أيضا واعلم .
( 7 ) في ه ، و : للدين .
( 8 ) في ه : صناعته .
( 9 ) في أ : يمضى .