الماء في الجدار . مات عليه السّلام وقد غلب الشيب على عارضيه خاصة ، وقال له بعضهم : يخضب عارضيه « 1 » . فقال بديها :
قالوا اخضب الشيب إن الشيب منقصة * في أعين الرشئيّات « 2 » الرغاديد
فقلت : ذاك كما قلتم وهيبته * نقيض قولكم في أعين الصيد
نحن الذين ضربنا الناس عن عرض * على البياض فهل نرضى بتسويد « 3 »
وكان عليه السّلام صادق الحدس ، قوي الفراسة ، يعرف بذلك من خبره من المخالطين ، ويعد باليقين من جملة المحدثين ، ولكم من أمر أخبر به قبل أوانه بالحدس فكان كذلك وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » « 4 » ، قال الشاعر :
الألمعي الذي يظن بك الظ * ن كأن قد رأى وقد سمعا
ذكر طرف من مناقبه وأحواله عليه السّلام
هذا باب لا سبيل إلى استقصائه ، وإنما نذكر اليسير ففيه كفاية ومقنع لمن قلّت خبرته به عليه السّلام وإلا فأحواله ظاهرة وبدور شرفه باهرة .
نشأ عليه السّلام من صغره على أشرف طريقة وأزكى حالة ، لم يعرف له شغل في حال صباه باللعب ولا ميل إلى اللّهو والطرب ، وأخبرني من أثق به كل الثقة أنه عليه السّلام لما فرغ من تعلم القرآن الكريم في حال صغره وأدرك منه الوطر أخذ يتأسف على ضياع العمر وفوات العلم وأطنب في ذلك ، فأعلم بعض إخوته والده عليه السّلام بذلك فدعاه وتحدث معه ، وقال له : يا بني إنه لم يمض من المدة إلا القدر الذي
هامش
( 1 ) في ( أ ) : عارضه .
( 2 ) الظاهر أنه جمع رشا وهو ولد الظبية . معجم قواميس اللغة 384 .
( 3 ) ديوان الإمام عبد الله بن حمزة « خ » 305 .
( 4 ) كنز العمال 11 / 88 برقم 30730 والترمذي 5 / 278 برقم 3127 ، وفتح الباري في شرح البخاري 12 / 388 .