بخط يده وأطنب في وصفي ورفع عن قدري ، حتى كنت أستحي من إيصال ذلك الكتاب ، فأوصلت الكتاب إلى قاضي القضاة ، فقال : مرحبا بالشريف ، فإذا شاء افتتح المختصر ولم يزد على ذلك ، ولا زارني بنفسه مع تقاعدي عنه من الغد ، ولا أزارني أحدا من أصحابه ، فعلمت أنه اعتقد في كتاب الصّاحب أنه صدر عن عناية صادقة لا عن حقيقة ، فقعدت عنه حتى كان يوم الجمعة حضرت الجامع بعد الظهر ومجلسه غاص بكبار العلماء فقد كان الرجل مقصودا من الآفاق ، فسئل القاضي أبو أحمد مسألة كلامية وكان لقي أبا هاشم ، فقلت : لما توسط في الكلام إن لي في هذا الوادي مسلكا ، فقال : تكلم ، فأخذت في الكلام وحققت عليه المطالبات ، ثم أوردت أسئلة عرقت فيها جبينه ، فامتدت الأعين نحوي ، فقلت بعد أن ظهرت المسألة عليه : يقف على فضلي القاضي . وسئل شيخ إلى جنبه عن مسألة في أصول الفقه ، فلما أنهى السائل ما عنده قلت : إن لي في هذا الجو متنفسا ، فقال القاضي : والأصول أيضا ؟ ! فحققت تلك المسألة على ذلك الشيخ فظهر ضعفه فسامحته . وسئل شيخ عن يساره عن مسألة في الفقه ، فقلت : إن لي في هذا القطيع شاة ، فقالوا : والفقه أيضا ؟ فأوفيت الكلام في تلك المسألة أيضا حتى تعجب الفقهاء من تحقيقي وتدقيقي ، فلما ظهرت المسألة كان المجلس قد انتهى ، فقام القاضي من صدره وجاء إلى جنبي ، فقال : أيها السيد ، نحن ظننا أن الصدر حيث جلسنا فإذا الصدر حيث جلست ، فجئناك نعتذر إليك من تقصيرنا في بابك ، فقلت : لا عذر للقاضي مع استخفافه بي مع شهادة الصاحب بخطه ، فقال : صدقت لا عذر لي ، ثم عادني من الغد في داري مع جميع أصحابه وبالغ في التواضع ، فحضرته فقرأت عليه الأخبار المودعة في المختصر فسمعتها بقراءته وأمدني بأموال من عنده فرددتها ، ولم أقبل شيئا منها وقلت : ما جئتك عافيا مستمنحا ، فقد كان حضرة الصاحب أوفى حالا وأسهل منالا ، ولم يكن هناك تقصير في لفظ ولا تفريط في لحظ ، ففارقته فشيعني مع أصحابه مسافة بعيدة
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية — صفحة 127
مساهمون: حميد بن أحمد المحلي
ص١٢٧