كانت رائحة السلطان تمنعهم من أذى الحافظ لو أرادوه ، ثم جاء الملك العادل ، وأخذ مصر ، وأكثر المخالفون عنده على الحافظ ، وسمعت أن بعضهم بذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار . قال : وقرأت بخط الحافظ كتبه إلى دمشق ، والملك العادل اجتمعت به وما رأيت منه إلا الجميل ، فأقبل عليّ وأكرمني ، وقام لي والتزمني ، ودعوت له ، ثم قلت : عندنا قصور ، فهو الذي يوجب التقصير ، فقال : ما عندك تقصير ولا قصور ، وذكر أمر السنة ، فقال : ما عندك شيء يعاب في أمر الدين ولا الدنيا ، ولا بد للناس من حاسدين . وقد تقدم ذكر هيبة العادل له واحترامه وتعجب الناس من ذلك .
قال الضياء : ثم سافر العادل إلى دمشق ، وبقي الحافظ بمصر ، والمخالفون لا يتركون الكلام ، فلما أكثروا عزم الملك الكامل على إخراجه من مصر ، واعتقل في دار سبع ليال ، فقال : ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالي .
وقال الضياء : سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني يقول :
حدثني الشجاع بن أبي زكري الأمير قال : قال لي الملك الكامل يوما : ههنا رجل فقيه ، قالوا : إنه كافر ، قلت : لا أعرفه ، قال : بلى ، هو محدث ، فقلت : لعله الحافظ عبد الغني ؟ فقال : نعم ، هذا هو ، فقلت : أيها الملك ، العلماء : أحدهم يطلب الآخرة ، والآخر يطلب الدنيا ، وأنت هاهنا باب الدنيا ، فهذا الرجل جاء إليك ، وأرسل إليك شفاعة ، أو رقعة يطلب منك شيئا ؟
فقال : لا ، فقلت : أيها الملك ، واللّه هؤلاء القوم يحسدونه ، فهل في هذه البلاد أرفع منك ؟ قال : لا ، فقلت : هذا الرجل أرفع العلماء ، كما أنت أرفع الناس ههنا ، فقال : جزاك اللّه خيرا كما عرفتني هذا .
ثم إني أرسلت رقعة إلى الملك الكامل أوصيه به ، فأرسل إليّ : تجيء ، فمضيت إليه ، وإذا عنده جماعة ، منهم : شيخ الشيوخ يعني : ابن حمويه ، وعزّ الدين الزنجاني ، فقال لي الملك : نحن في أمر الحافظ ، فقلت : أيها
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 93
مساهمون: محمد المقدسي الحنبلي
ص٩٣