وشرعوا يعملون وقتا يجتمعون في الجامع ، ويقرأ عليهم الحديث ، ويجمعون الناس من غير اختيارهم ، فهذا ينام ، وهذا قلبه غير حاضر ، فلم تشتف قلوبهم بذلك فشرعوا في المكيدة بأن أمروا الإمام الناصح أبا الفرج عبد الرحمن بن نجم ابن الحنبلي الواعظ بأن يجلس يعظ في الجامع تحت قبة النسر بعد الجمعة وقت جلوس الحافظ ، فلما بلغني ذلك قلت لبعض أصحابنا : هذه مكيدة واللّه ، وذلك لحبهم الناصح ، وإنما يريدون أن يعملوا شيئا . فأول ذلك أن الحافظ والناصح أرادا أن يختلفا للوقت ، ثم اتفقا على أن يجلس الناصح بعد صلاة الجمعة ، ثم يجلس الحافظ بعد العصر ، فلما كان بعض الأيام والناصح قد فرغ من مجلسه ، وكان قد ذكر الإمام أحمد رحمه اللّه في مجلسه ، فدسوا إليه رجلا ناقص العقل من بيت ابن عساكر ، فقال للناصح كلاما معناه : إنك تقول الكذب على المنبر ، فضرب ذلك الرجل وهرب ، فأتبع فخبئ في الكلاسة « 1 » ، فتمت لهم المكيدة بهذه الواقعة ، فمشوا إلى الوالي ، وقالوا له : هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة ، واعتقادهم يخالف اعتقادنا ، ثم إنهم جمعوا كبراءهم ، ومضوا إلى القلعة إلى الوالي ، وقالوا : نشتهي أن يحضر الحافظ عبد الغني ، وكان مشايخنا قد سمعوا بذلك ، فانحدروا إلى دمشق : خالي الإمام موفق الدين ، وأخي الإمام أبي العباس أحمد البخاري ، وجماعة الفقهاء ، وقالوا : نحن نناظرهم ، وقالوا للحافظ : اقعد أنت لا تجيء ، فإنك حاد ونحن نكفيك ، فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ من القلعة وحده فأخذوه ، ولم يعلم أصحابنا بذلك ، فناظروه ، وكان أجهلهم يغري به فاحتدّ ، وكانوا قد كتبوا شيئا من اعتقادهم وكتبوا خطوطهم فيه ، وقالوا له : اكتب خطك ، فلم يفعل ، فقالوا للوالي : الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شيء وهو يخالفهم ، وكان الوالي لا يفهم شيئا ، فاستأذنوه في رفع منبره فأرسلوا الأسرى فرفعوا ما في جامع دمشق من منبر
هامش
( 1 ) مدرسة قرب الجامع الأموي بدمشق .