البرد ، فجمعوا لي شيئا من الفطرة ( زكاة الفطر ) من حيث لا أعلم ، واشترى لي ابن عبدوس دابة وجهّزني ، وسافرت مع حجاج حرّان إلى بغداد ، وقد سبقني العماد ومعه ابن أخته عبد اللّه بن عمر بن أبي بكر ، والشهاب محمد بن خلف ، فسمعت بالموصل على خطيبها « جزءا » ثم دخلت بغداد ، وقد مات الشيخ علي البطائحي « 1 » ، فحزنت كثيرا ، لأنني كنت أريد أن أقرأ عليه الختمة ، ثم سمعنا الحديث ، فأول جزء كتبته « جزء من حديث مالك » على شهدة ، ولم ندرك أعلى سندا منها ، وسمعنا عليها « معاني القرآن » للزجاج ، و « مصارع العشاق » للسراج ، و « موطأ » القعنبي ، وسمعت على عبد الحق بن يوسف كثيرا ، وكان من بيت الحديث فإنه روى عن أبيه ، عن أبيه ، عن أبيه ، وكان صالحا فقيرا ، وكان عسرا في السماع جدا ، وسمعنا عليه « الإبانة » للسجزي بقراءة الحافظ عبد الغني ، ومرضت ففاتني مجلس ، وكان يمشي معي من بيته إلى مكي الغرّاد ، فيعيد فوتي « 2 » ، ورزقت منه حظا ، لأنه كان يراني منكسرا مواظبا ، وكان يعيرني الأجزاء فأكتبها . وألهم في آخر عمره القرآن فكان يقرأ كل يوم عشرين جزءا أو أكثر . وسمعت على أبي هاشم الدّوشابي ، وكان هرّاسا يربي الحمام ، فقلت لرفيقي عبد اللّه بن عمر : أريد أفاتحه في الطيور عسى يلتفت علينا ، فنقرأ عليه هذين الجزءين فقال : لا تفعل ، فقلت : لا بد من ذلك ، فقلت : يا سيدي إن كان عندك من الطيور الجياد تعطينا وتفيدنا ، فالتفت إليّ وقال : يا بني ، عندي الطيرة الفلانية بنت الطيرة الفلانية ، ولي قنص من فلان ، وانبسط ، فسمعنا عليه الجزءين ولم نعد إليه ، وسمعنا على ابن صيلا ، وأبي شاكر السّقلاطوني ، وتجني ، وابن يلدرك ، ومنوجهر ، وابن شاتيل ، وكان له ابن شيخ إذا جلسنا تبين كأنه الأب ، وعمي على كبر ، وبقي سبعين يوما أعمى ، ثم برئ وعاد بصره - يعني الابن ، فسألنا الشيخ عن السبب فذكر لنا : أنه ذهب
هامش
( 1 ) توفي في الثاني والعشرين من شعبان سنة 572 ( تاريخ الإسلام للذهبي ) .
( 2 ) أي ما فاته من سماع المجلس .