تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
وسلوكا ، ونهل من معين علمهم وزهدهم وورعهم ، ووهب حياته كلها منذ طفولته للعلم ، يسهر الليالي الطويلة في نسخ الكتب ، يقضي نهاره كله من مجلس علمي إلى مجلس آخر ، فكان إلى جانب حضوره مجالس العلم عند أهله المقادسة ، ينزل من جبل الصالحية مع خاليه وغيرهما إلى مسجد دمشق - ولما يتجاوز السابعة من عمره - ليحضر مجالس كبار المحدثين والمسندين رواة الحديث الشريف ، ثم لما شبّ وترعرع وكبر وحصّل الكثير رأى أن عليه أن يرحل ويشد الرحال إلى كبار علماء عصره ، فبدأ رحلته العلمية إلى مصر ، عاد بعدها إلى دمشق ليقوم برحلتين كبيرتين إلى المشرق الإسلامي ليأخذ عن كبار علماء تلك البلاد في بغداد وهمذان وأصبهان ونيسابور وهراة ومرو ، والبلدان الأخرى التي كان يمر بها في طريقه كحمص وحماة وحلب وحران والموصل وتكريت والرحبة وغيرها . وأخذ في هذه البلدان على مشاهير علمائها ومسنديها ، وتلقى عن الكثيرات من الشيخات المسندات . ولتحقيق غايته مشى على رجليه المسافات الطويلة ، وحمل على ظهره الكتب الكبار ، ينتقل بها من بلدة إلى أخرى ليتابع رحلته ، ويسهر الليالي الطويلة الشديدة البرد ، يقطعها نسخا وقراءة ، ويجوع ويظمأ ويعرى ، وكثيرا ما كان ينفد ما معه من نفقة ، فيصبر على البلاء والشدة والمرض والفقر . ثم يعود بعد ذلك بالعلم الوافر والسند العالي ، والدراية والرواية ، فازداد علما على علم ، وزهدا على زهد ، وسلوكا ربانيا روحيا ساميا . عاد الحافظ الضياء إلى صالحية دمشق بعد رحلته الطويلة ليستقر ويتفرغ لمتابعة بناء دار للحديث سميت باسمه ، ويضع فيها جميع كتبه التي سمعها على شيوخه ، ومؤلفاته الكثيرة ، فأقبل عليه الطلبة كبارا وصغارا لينهلوا من علمه ويسلكوا سلوكه الرفيع . فكان يملي عليهم حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ويعلّمهم ويرشدهم ويرعاهم . إلى جانب ذلك فقد قام بوضع المؤلفات الكثيرة من مروياته عن شيوخه بعضها في مجلدات ، مثل كتاب « الأحاديث المختارة » وهو من الكتب الحديثية التي لها شأنها الكبير في التصحيح والنقد والجرح والتعديل . ولقد تعدّدت مواهبه في
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 14 | محمد المقدسي الحنبلي