التأليف ، صنف في التاريخ فترجم لأهله وشيوخه ، كما أرخ لهجرة المقادسة ويعود إليه الفضل في حفظ ونقل علوم الشرق إلى دمشق ، ولولا جهوده العظيمة لضاع هذا التراث مع ما ضاع من تراث أمتنا إثر الهجوم التتري على البلاد التي رحل إليها ، إذ قام التتر بإحراق مدن بكاملها وقتلوا جميع أهلها ، وجعلوها ركاما ترابيا . فهذا التراث الذي نقله الضياء بقي الكثير منه محفوظا في مكتبته وآل أمره إلى المدرسة العمرية ، ثم إلى المكتبة الظاهرية بدمشق . وتبوأ الحافظ الضياء المنزلة العالية : محدثا ، حافظا ، متقنا ، صاحب الأسانيد العالية المتباينة ، وما كان ليصل إلى هذه المرتبة العلمية لولا همته العالية في السعي إلى الشيوخ الكبار في البلدان الشاسعة التي استطاع الوصول إليها ، ومن المعروف أن الضياء تلقى عن مشيخة مشهورة كبيرة فشيوخه وشيخاته سماعا وإجازة زادوا على الخمسمائة ، وفيهم من تفرّد بالرواية عنهم من شيوخ وشيخات . ولكن لم يصل إلينا أنه صنع مشيخة لنفسه على عادة علماء الحديث ، ولعل اشتغاله بمؤلفاته الأخرى الكثيرة شغله عن هذا العمل . ولكننا نجد المادة الأساسية لهذه المشيخة في ثبت مسموعاته الذي لم يصلنا منه إلا جزآن صغيران ، وبقيت السماعات متناثرة في ثنايا المخطوطات التي قرأها على شيوخه ، وسجّل عليها طباق سماعاته عليهم . وأما ما قام به من تراجم لشيوخه فنجدها في مؤلفاته متفرقة وملحقة بها ، عدا ما ضاع وفقد منها ونجد كثيرا من هذه التراجم في كتب الذهبي والمنذري وغيرهما .
لقد أطلق الأوائل مصطلح « المشيخة » على الكتاب الذي يجمع فيه المحدث أسماء شيوخه وأنسابهم وتراجمهم ، والكتب التي تلقاها عنهم ، ومروياتهم وأسانيدهم إليها ، وإجازاته منهم ، والفوائد من وصايا وتنبيهات وغيرها .
وربما أطلقوا على هذا العمل اسم « المعجم » أو « الثبت » أو « البرنامج » أو « الفهرست » .
والغاية من صنع المشيخات والاهتمام بها ونشرها أنها تعطي معلومات مهمة في التوثيق ومعرفة التراجم :
- فالمحدث يترجم لشيخه وما رآه وما عرفه عنه من الصفات الخلقية ،
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 15
مساهمون: محمد المقدسي الحنبلي
ص١٥