فأدلج ، فأصبح في المنزل ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني ، فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب . فلما رآني استرجع ، وقال :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا
[ 8 ظ ]
إِلَيْهِ راجِعُونَ
« 20 » ، عرس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ! ، فاستيقظت باسترجاعه [ حين عرفني ] ، فخمّرت ، وجهي بجلبابي ، فو اللّه ما كلّمني بكلمة ، ولا سمعت منه شيئا غير استرجاعه ، حتى جاء ببعير [ ه ] « 21 » فأناخه ، ثم وطئ على يديه ، فركبته ؛ وأخذ بخطامه يقوده حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا في حرّ الظّهيرة .
فأفاض أهل الإفك في قولهم ، فهلك في شأني من هلك .
فدخلنا المدينة ، فمرضت ، فلبثت شهرا في وجعي ، وأهل الإفك يفيضون في قولهم ، ولا أشعر بشيء من الشّرّ .
وكان الذي تولّى كبره منهم عبد اللّه بن أبيّ بن سلول « 22 » ؛ وكان لا يريبني من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلّا أنّي كنت لا أرى منه إلّا : كيف تيكم ؟ « 23 » فذاك الذي كان يريبني منه .
فلما نقهت من وجعي خرجت قبل المناصع أنا وأمّ مسطح بن أثاثه « 24 » ، وكان متبرّزا قبل أن تتّخذ الكنف « 25 » قريبا من بيوتنا .
هامش
( 20 ) سورة البقرة ، الآية 156 .
( 21 ) في الأصل : ببعير . وفي المصادر : براحلته .
( 22 ) عبد اللّه هذا رأس المنافقين ، وابنه عبد اللّه من فضلاء الصحابة وخيارهم . ( عمدة القاري 17 / 207 ) .
( 23 ) قال العيني في عمدة القاري : اعلم أن تا وته اسم يشار به إلى المؤنث ، فإن خاطبت جئت بالكاف فقلت : تيك ، وتيكما ، وتيكم . انظر 17 / 208
( 24 ) مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطّلب بن عبد مناف بن قصي ، كان فقيرا ينفق عليه أبو بكر ، توفي سنة أربع وثلاثين . ( سير أعلام النبلاء 1 / 187 وفيه مصادر ترجمته ) .
( 25 ) الكنف : كل ما ستر من بناء أو حظيرة .