كان رحمه اللّه من جلّة العلماء والمحدثين ، أكثر اشتغاله بالحديث . وكان رحمه اللّه ذا هيئة جميلة وشارة حسنة ، وسيم الصورة ، منبسط النفس ، عالي الهمة .
وكان عنده من الكتب ما لم يكن عند أحد . أدخل مالقة فوائد وكتبا لم يشاهدها قبله أحد من أهلها . وجدت بخط خالي رحمه اللّه ما نصه : أنشدني الفقيه أبو عبد اللّه المومناني وقال : وجدتها بخط قاضي الجماعة الشريف أبي عبد اللّه محمد بن طاهر الفاسي « 1 » ، وينسبها لابن تومرت يخاطب بها أبا حامد الغزالي ، وهي : [ متقارب ]
أخذت بأعضادهم إذ أتوا * وخلّفك العجز إذ أسرعوا
وأصبحت تهدي ولا تقتدى * وتسمع وعظا ولا تسمع
فيا حجر الشّحذ حتّى متى * تسنّ الحديد ولا تقطع
قال : وأنشدني أيضا له : [ سريع ]
الأرض للطّوفان محتاجة * لعلّها من درن تغسل
قد كثر البغي على ظهرها * وكذّب المرسل والمرسل
وانتقل رحمه اللّه إلى مراكش ، وبقي بها معظما عند الأمير الرشيد أبي محمد عبد الواحد بن أبي العلاء في غاية من المكانة والتنويه إلى أن أراد اللّه بهلاكه ، فكتب « 2 » إلى بعض السادات يذكر له القيام على الأمير أبي محمد عبد الواحد المذكور ، فذهب غلامه بالبطاقة فجعلها في يد الأمير وهو يظن أنه إليه أرسله . فكان الأمير على شغل في قصره ، فلم يعبأ بالبراءة ورمى بها واشتغل بما كان بصدده .
ورجع الغلام إلى أبي عبد اللّه المذكور فأعلمه بالنازلة ، فعلم أنه لا يعيش أبدا . ثم فكر في نفسه وحمله رأيه على أن يكتب براءة يستعذر للأمير فيها ويطلب الإقالة منه لعثرته ، ووجه بها إليه في الحين . فقرأ الأمير البراءة ، وقال : لأي شيء يستعذر وما جنى ذنبا . ثم تذكر البراءة الأولى فقرأها ووجه في الحين على أبي عبد اللّه المومناني وأمر بقتله . ويقال : إنه ذبح ذبحا نفعه اللّه وأعظم أجره . ووصل مالقة خبر موته في أوائل ذي القعدة عام ثمانية وثلاثين وستمائة « 3 » .
هامش
( 1 ) في الأصل أ : السافي / والمذكور هو محمد بن طاهر الحسيني الفاسي يعرف بابن الصيقل ( ت 608 ) بإشبيلية / تنظر ترجمته في : الذيل 8 / 308 والمراجع المذكورة - صلة الصلة : 6 ( نسخة مرقونة ) .
( 2 ) الخبر وتفاصيله واردان في المصادر التي ترجمت للمذكورة أعلاه / وينقل في صلة الصلة في هذا عن أعلام مالقة .
( 3 ) في الذيل 8 / 352 أن وفاته كانت عام 639 - راجع تعليق المحقق بالهامش .