نهض الحمار مليئا بالحياة ، فوضعت عليه متاعها ، واستمرّت في طريقها ولحقت بالقافلة .
ويقال : إنها كانت في طريقها إلى الكعبة ذات يوم ، فبقيت وحدها في الصحراء ، وقالت : إلهي ، إن قلبي مضطرب وسط هذه الدهشة ، أنا لبنة والكعبة حجر ، وما أريده هو أن أشاهد وجهك . فناداها حينئذ صوت من عند اللّه تعالى يقول : يا رابعة ، أتعملين وحدك ما يقتضى ذمّ الدنيا كلها ؟ لما أراد موسى أن يشاهد وجهنا ، لم نلق إلّا ذرة من نورنا على جبل ، فخرّ صعقا .
ويروى مرة أخرى : أنه لما كانت رابعة بسبيل الحجّ ، رأت الكعبة قادمة نحوها عبر الصحراء . فقالت رابعة : لا أريد الكعبة ، بل ربّ الكعبة ، أمّا الكعبة فماذا أفعل بها ؟ ولم تشأ أن تنظر إليها .
وكان إبراهيم بن أدهم قد أمضى أربعين سنة ليبلغ الكعبة ، لأنّه كان في كلّ خطوة يصلّى ركعتين ، وكان يقول : غيري يسلك هذه الطريق على قدميه ، أمّا أنا فأسلكها على رأسي . وبعد أربعين سنة بلغها ، فلم يجدها في مكانها ، فقال نائحا : وا أسفاه ، أصرت أعمى حتى لا أرى الكعبة ؟ فسمع صوتا يقول :
يا إبراهيم ، لست أعمى ، لكنّ الكعبة قد ذهبت للقاء رابعة . فتأثّر إبراهيم ، ثم رأى الكعبة قد عادت إلى مكانها ، وأبصر رابعة تتقدّم مستندة إلى عصا : أي رابعة - هكذا قال لها - ما أجلّ عملك ! وما الضجة التي تحدثينها في الدنيا ! الكلّ يقولون : ذهبت الكعبة للقاء رابعة . فأجابته رابعة : يا إبراهيم ، وأيّة ضجّة تحدثها أنت في الدنيا بأن أمضيت أربعين سنة حتى بلغت هذا المكان ، لأنّ الكلّ يقولون : إبراهيم يتوقّف كلّ خطوة ليصلّى ركعتين . فقال إبراهيم : نعم ، قد أمضيت أربعين سنة في اختراق هذه الصحراء . فأجابت رابعة : يا إبراهيم ، أنت جئت بالصلاة ، وأنا جئت بالفقر . وبكت طويلا ، وبعد أن زارت الكعبة عادت إلى البصرة .
وفي وثبة من قلبها صاحت : إلهي ، وعدت بجزاءين لشيئين : القيام
تذكرة الأولياء — صفحة 852
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٨٥٢