وقد صرت عبدة ، لكنّ غمّي الكبير هو أن أعرف أراض عنّي أنت أم غير راض ؟
فسمعت صوتا يقول لها : لا تحزني ، لأنه في يوم الحساب المقرّبون في السماء ينظرون إليك ويحسدونك على ما أنت فيه .
وبعد أن سمعت هذا الصوت ذهبت إلى بيت سيدها ، وصارت تصوم وتخدم كلّ يوم سيدها ، وتصلّى لربّها ، ساهرة على قدميها ، وذات ليلة استيقظ سيدها من النوم ، ونظر من خوخة في الباب ، فرأى رابعة ساجدة وهي تقول :
إلهي ، أنت تعرف أنّ قلبي يتمنّى طاعتك ، ونور عيني في خدمة عتبتك ، ولو كان الأمر بيدي لما توقّفت ساعة عن خدمتك ، لكنّك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق . وبينما كانت لا تزال تصلّى ، شاهد قنديلا فوق رأسها معلّقا بدون سلسلة ، وكان النور يملأ البيت كلّه ، فلمّا رأى سيدها هذا النور العجيب فزع ونهض ، ثم عاد إلى مكانه ، وظلّ يفكّر حتى طلع النهار . هنالك دعا رابعة وحدّثها بلطف وأطلق سراحها قائلا : يا رابعة ، لقد أعتقتك حرّة ، فإذا شئت بقيت هنا ، وسنكون جميعا في خدمتك ؛ وإذا لم تشائي اذهبي أنّى شئت .
فودّعته رابعة ، وارتحلت ، وانقطعت للتقوى والعبادة .
ويقال : إنّ رابعة كانت تصلّى كلّ يوم وليلة ألف ركعة .
وكانت تتردّد على الحسن البصري .
وفي رواية أخرى : أنها كانت تضرب على الناي .
وقال قوم : إنّها عملت مطربة مدة ما ، ثم تابت وابتنت لنفسها خلوة انقطعت فيها للعبادة .
وذات يوم ارتحلت إلى الكعبة ، وكان لها حمار حمّلته متاعها . فنفق الحمار ، فقال من بالقافلة : سنحمل متاعك على دوابنا . فقالت رابعة : ما كان اعتمادي عليكم حينما أتيت ، بل ثقتي باللّه تعالى ، فارحلوا إذن . فلمّا ارتحلت القافلة دعت رابعة اللّه قائلة : إلهي ، أكذا يفعل الملوك بعبيدهم الضعفاء العاجزين ؟ لقد دعوتني إلى زيارة بيتك ، وها أنت ذا تدع حماري ينفق في الصحراء ، وتتركني في الخلاء وحيدة . فما كادت تنطق بهذه الكلمات حتى
تذكرة الأولياء — صفحة 851
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٨٥١