محجوب تخلّفت عنه بذلك الحجاب ، وبادر إلى ترك ذلك الحجاب لتبلغ الكشف الأبدي ، وينكشف المحجوب ، ولا ينبغي لممنوع أن يكون وسيلة للقرب .
روي أنّ أحد خواصّه سئل : كيف يقضي الإمام الليل ؟ فقال : عندما ينقضي شطر من الليل ، ويفرغ من الأوراد يقول بصوت عال : إلهي وسيدي ، حلّ الليل ، وانتهت ولاية تصرّف الملوك ، وظهرت النجوم ، ونامت الخلائق ، وسكنت أصوات الناس ، وأضمروا رغباتهم ، وغلّقوا الأبواب ، ووضعوا عليها الحرّاس ، ومن كان لهم لديه حاجة تركوه . فيا إلهي ، أنت حيّ قيّوم مطّلع ، لا تأخذك سنة ولا نوم ، ومن لا يعرفك بهذه الصفة لا يقرّ بأيّة نعمة . وأنت الربّ الذي لا يردّ السائلين إذا ما دعاه أحد من المؤمنين . إلهي ، حين أذكر الموت والقبر والحساب كيف أطلب من الدنيا منفعة من بعدك ؟ لأنّني أعرفك وأبحث عنك ، لأنّني أطلب منك الراحة عند الموت السهل ، والحياة في حال الحساب بلا عقاب .
فكان يقول هذا ويبكي إلى أن سأله واحد يوما : يا سيدي ، ما أكثر ما تكرّر ذلك ! ؟ فأجابه : يا صاحبي ، لقد فقد يعقوب يوسفا واحدا فبكى حتى ابيضّت عيناه ، وأنا فقدت عشرة من أجدادي - أي الحسين وآله - في كربلاء ، فإنّ أقلّ ما يمكن هو أن أبيّض عينيّ لفراقهم .
وإن هذه المناجاة هي باللغة العربية ، وفي غاية الفصاحة ، لكنّنا آثرنا إيراد معانيها باللغة الفارسية بغية عدم الإطالة والتكرار . وقد أوردناها في خاتمة الكتاب تبرّكا .
قال هذا وأسلم الروح للحقّ ، رضي اللّه عنه وعن أسلافه ، وحشرنا مع أجداده ومعه . آمين يا رب العالمين ، وصلّى اللّه على خير خلقه وآله أجمعين ، ونجّنا برحمتك يا أرحم الراحمين .
* * *
تذكرة الأولياء — صفحة 845
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٨٤٥