نظر إليّ شزرا بعد الصلاة ، وكادت مرارتي أن تنشقّ من الخوف والرعب ، ورأيتني عنده كعصفور في مخلب بازيّ ، وما بقي لي مخاصمة ولا منازعة معه .
ثم أرسل المقدّم إلى الشيخ : إنّ القاضي الصاعد يتبعه ثلاثون ألفا من أهل نيسابور ، ولي من التبع عشرون ألفا ، وللسلطان محمود رحمه اللّه عسكر عظيم ، وسبع مئة فيل ، وأنت غلبت الجميع وكسرتهم بخمسة أرطال من الكعك والزبيب ، وبنظر إلى القاضي
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
« 1 » [ الكافرون : 6 ] .
نقل أن الشيخ أبا سعيد رحمه اللّه كان عابرا في بعض السكك ، فأبصر جماعة من الكنّاسين ينقلون النجاسة من مبرز ، ويكنسونه ، وظهرت هناك رائحة كريهة ، فوقف وقال لأصحابه : هل تدرون ما تقول هذه النجاسة بلسان الحال ؟
قالوا : لا . قال تقول : ما أنا إلّا الأطعمة والفواكه التي كان لي طعم حسن ، ورائحة طيّبة ، وكان للناس ميل عظيم إليّ حتى أنّهم يتخاصمون ويتقاتلون لأجلي ، ثم تحوّل الحال إلى إن بتّ معكم ليلة ، وصاحبتكم فيها ، فاكتسبت من الخساسة والحقارة والطعم والرائحة ما لا يخفى ، ثم خلصت منكم ، وسأصير ترابا ، ولكن كيف يكون حالكم وأنتم تصاحبون أنفسكم ولا تفارقونها سبعين سنة أو أقلّ أو أكثر ؟ فأنتم آخر الأمر لا تخرجون منكم إلّا شيئا عجيبا « 2 » .
نقل أن الشيخ أبا سعيد رأى جماعة من الظّلمة قد أقعدوا رجلا في الشتاء في الماء البارد ، ويضربونه قويا ، والرجل يقول : يا ربّ يا ربّ . فذهب الشيخ إليهم ، ليتشفّع فيه ، ثم رجع ، ولم يتكلّم شيئا ، فسأله بعض الأصحاب ، وقال :
لم رجعت قبل أن تشفع ؟ قال : لأنّي نوديت في سرّي « 3 » : يا أبا سعيد ، لا تشفع في هذا الرجل ؛ فإنّه ما ذكر اللّه تعالى في عمره قطّ إلّا في هذا اليوم ، وهذا أيضا بالعصا ، فدعهم يضربوه ، لأنّ هذا جزاء لمن لم يذكر اللّه تعالى في الراحة ، ويذكره في الشدة .
هامش
( 1 ) أسرار التوحيد 89 - 95 .
( 2 ) أسرار التوحيد 300 .
( 3 ) الأصل : لأني نويت في سرّي .