تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 657

مساهمون:

ص٦٥٧
وأكرمته بالقيام له ، وعظّمته بأن أجلسته في مكانك ، والكلب معه ؟ قال الشيخ : نعم ما قلتم ، ولكن فرق كبير بيننا وبينه ، أما إنّه يجرّ الكلب ، والكلب يتبعه ، ولكلّ منّا كلب نحن نتبعه ، فما تقولون بين من يتبعه الكلب ، ومن هو يتبع الكلب ؟ نعم ، فمن كلبه ظاهر يمكن الاحتراز عنه ، بخلاف كلبنا ، فإنّه خفيّ ، ولا يمكن الاحتراز عنه . أقول : ويمكن أيضا تطهير ما ينجّسه كلبه باستعمال الماء ، وما ينجّسه كلبنا لا يمكن تطهيره بالماء الطاهر الظاهر . وكلبه يقصد العدوّ ويؤذيه ، وكلبنا لا يؤذي إلّا الصديق . وكلبه يقنع بأدنى شيء وأخسّه ليتغذّى به ، وكلبنا لا يقنع إلّا بأعزّ الأشياء لنا . وكلبه كلّما نهرته ينزجر ويمتنع ، وكلبنا لا يمتنع بالزجر ؛ بل كلّما تزجره يزداد حرصه في الإفساد . وكلبه إذا صالح معه ينصلح ، ويترك الشرّ ، وكلبنا إذا صالحنا معه يزداد شرّه وغيّه . وكلبه خارج ، وكلبنا داخل . وكلبه ليس من أتباع الشيطان ، وكلبنا هو من أتباعه . وكلبه إذا شبع يطمئنّ ، وكلبنا إذا شبع يزداد قلقه واضطرابه ؛ بل كلبنا كلّما شبع يزداد جوعه . وكلبه إذا صاحب الإنسان مدّة يستأنس به ، وكلبنا لا يستأنس بنا طول عمرنا . واللّه أعلم . ومن كلامه ما نقل أنه قال : إنّ اللّه تعالى أعطى كلّ عبد من العباد قدرا من المعرفة يقوى على احتمال البلاء . وقال : من ضيّع حكما من أحكام اللّه تعالى في أيام شبابه يحقره اللّه تعالى في شيخوخته ، ومن خدم واحدا من رجال اللّه تعالى مرّة في عمره ، تصل إليه بركته في جميع عمره ، فكيف حال من يخدمهم في جميع أيام عمره ؟ . وقال : لا لذّة في أنس الإخوان بعضهم مع بعض مع مرارة وحشة الفراق . وقال : [ طوبى ] لمن لا يكون له وسيلة إلى اللّه تعالى إلّا اللّه عزّ وجل « 1 » .
هامش
( 1 ) طبقات الصوفية 494 ، مناقب الأبرار 868 ، وما بين معقوفين مستدرك منهما .
تذكرة الأولياء — صفحة 657 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر