النفس وتصفيتها من الكدورات الجسمانية ، فإذا فسد كلّ من هؤلاء الثلاثة في الجهة المطلوبة منه ، فلا جرم أنّه تختلّ أحوال المقتدين بهم ، والمقتفين أثرهم اختلالا ظاهرا . واللّه أعلم .
وقال : إذا غلب الهوى أظلم القلب واسودّ ، وحينئذ يبغض الناس ، وإذا أبغضهم فهم أيضا يبغضونه ، وحينئذ تظهر العداوة فيما بينهم ، والجور وما يتبعه من الصفات الذميمة .
وقال : ما ظهرت فتنة من لدن آدم عليه السلام إلى الآن بين الناس إلّا بسبب الاختلاط مع الخلق ، وما نجا أحد من الفتن إلى يومنا إلّا بالعزلة من الخلق .
وقال : من علامة الولاية أن يحدّث الوليّ عن أصول العلم . قيل : وما هي ؟
قال : هي علم المبدأ وعلم المقادير ، وعلم العهد والميثاق ، وعلم الحكمة ليس إلّا هذا ، وهذا علم أكابر الأولياء ، ولا يقبله منهم إلّا من لم يكن لإبليس حظّ في ولايته .
أقول : أمّا علم المبدأ : فهو ما يتعلّق بذات اللّه تعالى وصفاته وأفعاله ، ومنه معرفة النفس ، وتهذيب أخلاقها .
وعلم المقادير : ما يبيّنه قوله تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
[ القمر : 49 ] يعني : لا شيء في الوجود إلّا وهو مخلوق للّه تعالى ، ومع ذلك هو بقدر أي بتقدير سابق ، وقضاء لاحق .
وأمّا علم العهد والميثاق : فإمّا إشارة إلى قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] وإمّا إشارة إلى أنّ لكلّ أمة وطائفة عهدا وميثاقا مع نبيّه عليه السلام ، وعلى أيّ حال فلا بدّ من الوفاء بالعهد الأوّلي الذي جرى بين العبد وربّه في الأزل ، ومن ذلك متابعة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في جميع ما جاء به من عند اللّه قولا واعتقادا ، فعلا وتركا .
والحقّ أنّ كلّا من العلوم الثلاثة بحر عميق لا ساحل له ، ولا يخوضها أحد