تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
فوصل إلى أنه كان « 1 » يملأ كفّه من السكّر ، ويدور على الصبيان ، ويقول لهم : من يقول ( اللّه ) ، املأ فمه من السكّر ، فكان يفعل كذلك ، ثم بعد ذلك يملأ جيبه من الدنانير والدراهم ، ويقول : من يقول ( اللّه ) « 2 » أملأ فاه منها ، ثم بعد ذلك حصلت له غيرة ، وكان يأخذ سيفا ويقول : من يقول ( اللّه ) أضرب رقبته ، فقالوا له : كنت قبل اليوم تملأ أفواههم بالسكّر ، ثم بالدّينار والدرهم على أن يقولوا ( اللّه ) ، والآن تقول : من يقول ( اللّه ) أضرب رقبته ! قال : لأنّي ظننت أنّهم يقولون ( اللّه ) ويذكرونه على التحقيق ، ثم ظهر لي أنّهم يذكرونه على الغفلة ومجاري العادات ، وأنا لا أستحسن أن يجري هذا اللفظ إلّا على لسان عارف به . وكان يدور ، ويكتب لفظة ( اللّه ) على كلّ ما يجده ، حتى سمع هاتفا يقول : يا شبلي ، إلى متى تطلب الاسم ؟ ! فادخل الآن في بادية طلب المسمّى . فوقع هذا الكلام على قلب الشبلي ، وازداد قلقه وشوقه ، وغلب وجده وعشقه « 3 » ، حتى أنّه رمى نفسه في الدجلة ، فماج موج ، وقذفه على الساحل ، ثم ألقى نفسه في النار ، فما أثّرت النار أيضا فيه ، ثم ذهب إلى موضع السباع ، وألقى نفسه بينهم ، فتنفّروا عنه وهربوا ، ثم صعد شاهقا ، ورمى نفسه من الشاهق ، فجاءت ريح وأخذته ، ووضعته على الأرض بلا مضرّة ، فازداد شوقه بأضعاف ما كان ، فصاح وقال : ويل لمن لا يقبله الماء ، ولا النار ، ولا السباع ، ولا الجبال . فسمع هاتفا يقول : من كان مقبول الحقّ لا يقبله غيره . ثم بعد ذلك نسبوه إلى الجنون ، وقيّدوه بالسلاسل ، وحبسوه في المارستان ، ويتردّد إليه الناس جماعة جماعة ، ويقولون : هذا مجنون . وهو يقول : أنا مجنون ، وأنتم العقلاء ! فأرجو من اللّه تعالى أن يزيد جنوني وعقلكم . ثم بعث الخليفة طبيبا ليعالجه ، فكان يركّب « 4 » الدواء ، ويوجرون في
هامش
( 1 ) في ( أ ) : فوصل إلى الداوي أنه . ( 2 ) في ( أ ) : من يقول مرة ( اللّه ) . ( 3 ) في ( أ ) : وازداد قلقه وشوقه وجدّه وعشقه . ( 4 ) في ( أ ) : فكان يركبون الدواء .
تذكرة الأولياء — صفحة 532 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر