بالهبة فلا يبقى له قدر عندك واعتبار ، فاجعل قدمك من الرأس ، وارم نفسك في بحر المجاهدة والصبر والانتظار ، لعلّك تصل إلى جوهر المعرفة .
قال الشبلي : فالآن ، أيّ شيء أعمل ؟ فأمره الجنيد ببيع الكبريت سنة ، ففعل ذلك ، ورجع إلى الجنيد ، فقال : لعلّك يحصل لك في هذه التجارة شهرة « 1 » ، فأشار عليه بأن يدور على الأبواب سنة ، ويكدي ولا يعمل غيره ، ففعل ، وما أعطاه أحد في جميع بغداد شيئا ، فرجع إلى الجنيد ، وعرّفه الحال ، فقال الجنيد : عرفت الآن أنّ لا قيمة لك ولا مقدار عند الناس ، فلا تعلّق بهم قلبك ، ولا يكن لهم أيضا عندك قيمة ومقدار ، وتوكّل على الحيّ الذي لا يموت ، ولكن كنت مدّة حاكما على طائفة ، فارجع إليهم ، واستحلّ منهم ، عسى أنهم يبرئون ذمّتك ، ويجعلونك في حلّ . فأتى إليهم ، وقال : كنت واليا في بلدكم ، وحكمت عليكم ، فأرجو منكم أن تجعلوني لأجل اللّه تعالى في حلّ « 2 » . ودار على الناس واحدا واحدا ، وبيتا بيتا ، قال : فبقي لشخص عليّ مظلمة ، وما وجدته ، وبذلت لذلك مئة ألف درهم للفقراء والمساكين ، وقلبي غير مطمئنّ بعد .
قال : مضى على هذا أربعون سنة « 3 » ، ثم رجع إلى الجنيد ، فقال الجنيد :
فيك بعد من محبّة الجاه . فأمرني نوبة أخرى بالدّوران على الأبواب ، والتكدّي ، فكنت أدور أطلب وأجمع كسيرات الخبز ، وأذهب بها إلى الشيخ ، وهو يطعمها للفقراء ، ويتركني جائعا ، فمضى على ذلك سنة ، ثم قال : ادخل بين الأصحاب ، ولكن على أن تكون خادما لهم . فمضت سنة أخرى ، وقال لي : يا شبل ، كيف تجد حال نفسك ؟ قلت : أراها أنّها أقلّ خلق اللّه . قال الجنيد رحمه اللّه : فالآن صحّ إيمانك .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : التجارة شهوة .
( 2 ) في ( أ ) : فأرجو منكم أن تجعلوني في حلّ خاصة للّه .
( 3 ) كذا في الأصلين ، ولعلّ الصواب : على هذا سنة .