فإنّ اللّه تعالى يحاسب الغنيّ يوم القيامة بلا واسطة ، وذلك لا يكون إلّا محلّ العتاب ، والعتاب من الحبيب ألذّ من كلّ شيء . قال : نعم ، ولكن يعتذر يوم القيامة من الفقير ، والعذر ألذّ من العتاب . والحقّ ما قاله الجنيد ، لأنّ الغنيّ بعيد من اللّه ، فإنّ الفقير إذا تواضع للغنيّ لغناه يذهب ثلثا دينه « 1 » ، فما ظنّك بالغنيّ المغرور ، على أن الأغنياء هم الموتى في الحقيقة ، وقد ورد : إيّاكم ومجالسة الموتى « 2 » . وأيضا الغنيّ لا يدخل الجنّة إلا بعد المحاسبة ، ويقف في المحشر لأجلها خمس مئة سنة « 3 » ، والفقير من أوّل الأمر غريق في بحر الاعتذار ، فكم بين العتاب والعذر ؟ ! .
نقل أنه قال له بعض المتكلّمين : لأيّ شيء ترك الصوفية اصطلاح العلماء ، واصطلحوا على اصطلاح آخر ؟ قال : لأن ذلك عزيز عندهم « 4 » ، فلم يريدوا أن يطّلع الأغيار المنكرون على مقاصدهم .
وله كلمات عالية وإشارات لطيفة منها ما قال : خير الأعمال ما عمل ، وخير الكلام ما قيل ، فلا تعمل عملا ما عمله أحد ، ولا تقل كلاما ما قاله أحد .
أقول : يريد ما تقرّرت به السّنة ، ومضت عليه الجماعة من العمل والقول ،
هامش
( 1 ) روى الخطيب في تاريخ بغداد 4 / 368 ، والبيهقي في شعب الإيمان 7 / 214 ، عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « . . . ومن دخل على غنيّ فتضعضع له ذهب ثلثا دينه » .
وجاء في الفردوس بمأثور الخطاب 3 / 467 ، عن أبي ذر قال : لعن اللّه فقيرا تواضع لغنيّ من أجل ماله ، فمن فعل ذلك منهم فقد ذهب ثلثا دينه .
( 2 ) روى أبو نعيم في حلية الأولياء 2 / 351 ، عن محمد بن واسع قال : أربع يمتن القلب : الذنب على الذنب ، وكثرة مثافنة [ مجالسة ] النساء وحديثهن ، وملاحاة الأحمق تقول له ويقول لك ، ومجالسة الموتى . قيل : وما مجالسة الموتى ؟ قال : مجالسة كل غنيّ مترف ، وسلطان جائر .
( 3 ) روى الترمذي ( 2353 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام ، نصف يوم » والحديث رواه أحمد في المسند 2 / 512 ، والطبراني في الأوسط 7 / 315 ( 7605 ) .
( 4 ) في ( أ ) : عزيز فيما بينهم .