فتعالوا . فقيل له : وبم علمت أنّا جئنا إليك بالحلاوى ؟ قال : إنّي كنت أمس في مناجاة ، فخطر ببالي أنّ أولادي ما أكلوا الحلاوى من زمان ، ويطلبون منّي ، علمت أنّ اللّه تعالى قد بعثه لهم .
نقل أن الشيخ أبا حفص رحمه اللّه كان له من جملة المريدين معه رجل مؤدب ، ونظر إليه الجنيد كم مرّة ، وأعجبه من حسن أدبه وخدمته لشيخه وتواضعه له ، ثم قال الجنيد لأبي حفص : كم سنة هو في خدمتكم ؟ قال أبو حفص : عشر سنين . قال الجنيد : للّه درّه ، حصل له في هذه المدّة ببركتكم معرفة وأدب وسيرة جميلة . قال الشيخ أبو حفص : نعم ، هو قد أنفق على الفقراء في مجلسنا سبعة عشر ألف دينار ، واستقرض سبعة عشر ألف دينار وصرفها على حوائج السفر لأصحابنا ، ومع هذا لا يستجري على أن يسألني مسألة .
نقل أنه قال : التقيت بأبي تراب النّخشبي رحمه اللّه في البادية ، والحال أنّي ما ذقت طعاما منذ ستة عشر يوما ، فذهبت إلى بركة ماء لأشرب منها ، وبقيت هناك متفكّرا . قال أبو تراب : ما أقعدك على جنب البركة ؟ قلت : إنّي متردّد بين العلم واليقين ، وانتظر غلبة واحد منهما ، فإن غلبني العلم شربت ، وإن غلبني اليقين تركت وذهبت .
أقول : معناه : إن غلبني العلم بأن العطشان إذا وصل الماء ، ولا مانع هناك ، فله أن يشرب منه ، وإن وصلت إلى مقام اليقين ، وتحققت أن لا أقدر على الشرب إلّا بعد أن قدّر اللّه تعالى لي ، وتحقّقت أنه لم يقدر لي الهلاك بسبب العطش ، لا يضرّني العطش ألبتّة ، فحينئذ لا ألتفت إلى الماء ولا أشتغل به ، واصطبر على مضض العطش ؛ فإنّ الاشتغال يدفعه حظّ النفس الأمّارة ، وفي مدّة الشرب يبقى القلب مشغولا عن ذكر اللّه تعالى ، وهذا من أعظم المصائب عندهم . واللّه أعلم .
نقل أنه حين دخل مكّة شرّفها اللّه تعالى ، رأى فيها كثيرا من الفقراء البالغين حدّ الاضطرار ، فحصل له من ذلك حالة ، وأخذ حجرا ، وقال : إلهي ، بعزّتك
تذكرة الأولياء — صفحة 411
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤١١