هذا ؟ قلت : الشفقة عليهم . قال : وإلى أيّ بعد بلغت شفقتك عليهم ؟ قلت :
إلى حدّ لو أمرني اللّه أن أدخل النار بدل عباده ، وعذّبني مكانهم ، وأدخلهم الجنّة لكنت راضيا . قال : فعلى هذا يجوز لك أن تعظهم ؛ ولكن عظ نفسك أولا ، ولا تغترّ بكثرة الناس في مجلسك ؛ فإنهم ينظرون إلى ظاهرك ، واللّه تعالى مطّلع على ظاهرك وباطنك . قال أبو عثمان : فطلعت المنبر ، وشرعت في الكلام ، والشيخ أبو حفص كان في زاوية من المسجد ، فقام شخص وسأل قميصا ، فخلعت قميصي ، وأعطيته السائل ، فقال أبو حفص : يا كذاب ، انزل من المنبر . قلت : وما كذبي ؟ قال : ادّعيت أن شفقتك على الناس أكثر من شفقتك على نفسك ، ثم إنّك سبقتهم في بذل القميص ، وما تركت لهم هذا الفضل ، وآثرت بها نفسك ، أفلا تكون كذابا ؟ .
ونقل أنه كان عابرا في السوق ، إذ استقبله يهوديّ ، فوقع أبو حفص على الأرض ، ودهش ، فحين أفاق سئل عن ذلك ، قال : رأيته ملتبسا بلباس العدل ، ورأيتني ملتبسا بلباس الفضل وخشيت من تعكيس الأمر ، وتبديل الحال ، فلذا زال عقلي .
نقل أنه رحمه اللّه قصد سفر الحجّ ، ووصل في سفره إلى بغداد ، فقال جماعة المريدين بعضهم لبعض : الشيخ لا يعلم لسان العرب أصلا ، وإذا اتّفق له مع مشايخ بغداد صحبة ، كيف يكون الحال ؟ وهذا عار علينا عظيم . وسيّر الجنيد جماعة من أصحابه لاستقبال الشيخ أبي حفص ، فعند الملاقاة شرع يحدّث معهم بالعربية أفصح ما يكون ، حتّى تعجّب أهل بغداد من فصاحته ، واللّه على كلّ شيء قدير .
نقل أنه قال للجنيد رضي اللّه عنه : مر بعض أصحابك ليحصل من الحلاوى قدرا صالحا ، ويحمله على حمّال ، ويدور به الحمّال في أزقّة بغداد حتى يتعب ، ففي أيّ موضع وجد في نفسه التعب ليدقّ الباب القريب منه ، ويهديه لصاحب ذلك البيت .
ففعلوا والقصة إلى آخرها ، دقّوا بابا ، وقال شخص : إن جئتم بالحلاوى
تذكرة الأولياء — صفحة 410
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤١٠