زاويتنا ، ولا يناسبنا . إلى أن وقع الدلو يوما في البئر ، فجاء أحمد إلى رأس البئر ، وقال للشيخ : اقرأ الفاتحة ليطلع الدلو من البئر . فتوقّف الشيخ في هذا الشأن ، فقال أحمد : يا شيخ ، ائذن في أن أقرأ . فأذن له الشيخ ، فقرأ أحمد الفاتحة ، وطلع الدّلو على رأس البئر ، فتحيّر ذلك الشيخ عن هذا ، وقال : من أنت ؟ فإنّ بيدر حياتي صار تبنا في جنب حياتك « 1 » . فقال : قل لأصحابك لا ينظروا إلى المسافرين بعين الحقارة ، وها أنا سافرت .
نقل أنّ رجلا فقيرا جاء إليه ضيفا ، وأشعل الشيخ لإعزازه « 2 » إحدى وسبعين شمعة ، فقال الفقير : لا يعجبني هذا ، فإنّ التكلّف لا يليق بالتصوّف . فقال أحمد رحمه اللّه : قم إلى الشموع ، وأطفئ الشمعة التي ليست للّه تعالى . فقام الضيف ، وسعى واجتهد ، ولم يقدر على إطفاء شيء منها ، فتعجّب الفقير عن هذا الأمر ، فلمّا أصبح قال أحمد : تعال معي حتى ترى أعجب من ذلك .
فذهب به إلى كنيسة للنصارى ، فالتقى هناك بعظيم النصارى ، ففرح بقدوم أحمد ، وأجلسه ورحّبه ، وقدّم إليهما خوانا عليه طعام ، والتمس منه الأكل ، فقال أحمد : لا يأكل الصديق مع العدو . فاضطرّ العظيم لأجل إكرام الضيف ، ولم يقدر على المخالفة ، فأعزم على الإسلام ، وقال : يا شيخ ، اعرض عليّ الإيمان . فعرض ، وآمن هو ومعه سبعون من خدّامه وملازميه ، ثم رأى الشيخ « 3 » في الليلة في المنام ، كأنّه تعالى وتقدّس يقول له : يا أحمد ، إنك قد أشعلت لأجلنا إحدى وسبعين شمعة ، فنحن لأجلك نوّرنا قلب أحد وسبعين « 4 » رجلا بنور الإيمان ، فهذا بذاك .
من كلامه أنه قال : كرامة الفقير في ثلاثة : التواضع ، وحسن الأدب ، والسخاوة .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : فإنّ بذر حياتي صار نبتا .
( 2 ) في ( ب ) : ضيفا لي أشكل الشيخ .
( 3 ) في ( ب ) : ثم رجع إلى الشيخ في الليلة .
( 4 ) كذا في ( ب ) ، وفي ( أ ) : إحدى وسبعين .