الكلام هو هذا ، ولم يذكره ، حتى قيل له : كلاهما من العلماء الكبار ، لم تعزّز أحدهما دون الآخر ، ولا تنظر إلى وجهه أيضا ؟ قال : لأنّ محمد بن الحسن دخل المدرسة ، واشتغل بالعلم من النعمة والجاه ، وجعل العلم سببا لعزّة دينه ، وأمّا أبو يوسف فإنه اشتغل بالعلم من الذلّة والمسكنة ، وجعل العلم رأس ماله في دنياه ، وسببا للعزّ والجاه فيها ، فكيف يكون أبو يوسف مثلا لمحمد ، وأيضا ضرب أستاذنا أبو حنيفة رضي اللّه عنه بالمقرعة ، ولم يقبل القضاء ، وقبله أبو يوسف ، ومن لم يسلك طريق شيخه ، وخالفه ، فأنا لا أتكلم معه
نقل أن هارون الرشيد قال لأبي يوسف ، والتمس منه أن يذهب به إلى داود الطائي ليتشرّف بزيارته ، فجاء إلى بابه ، ولم يجد إليه سبيلا ، فاستشفع بأمّه ، فشفعت ، وما كان يقبل ، ويقول : مالي وصحبة أهل الدنيا والظلمة ؟ ! حتى قالت أمّه : بحقّي عليك ألا تأذن له في الدخول . قال : إلهي ، أنت أمرتني بالإحسان إلى الوالدة وإرضائها ، وإلّا ما كان لي شغل مع هؤلاء . فأذن لهم في الدخول عليه ، فدخلوا ، وجلسوا ، وهو افتتح بالنصيحة والوعظ ، وشرع هارون يبكي ، ولمّا أراد الرجوع حطّ عنده صرّة من الذهب ، وقال : هذا حلال ، أرجو منك أن تقبلها . فلم يقبل . وقال : بعت بيتا من تركة أبي ، وأنفق الثمن عليّ ، وليس لي حاجة إلى مالك ، وقد سألت اللّه تعالى أن يقبض روحي إذا تمّ ثمن البيت ؛ لئلا أحتاج ، وأنا أرجو أن يصير دعائي مستجابا . فرجع هارون ، وسأل أبو يوسف من وكيل خرجه : كم قد بقي من ثمن البيت ؟ قال : عشرة دراهم ، ونفقته كلّ يوم دانق . وكان أبو يوسف يحاسب ذلك ، حتى أنه أسند ظهره إلى المحراب يوما ، وقال : اليوم توفّي داود ، تفحّصوا . فكان كذلك ، قيل : بم أدركت ؟ قال : حسبت نفقته ، وعلمت أنّها تمّت اليوم ، ولا شكّ أنّه كان مستجاب الدعاء .
سألوا عن أمّه حال وفاته ، قالت : كان يصلّي طول الليل ، ففي آخره سجد ولم يرفع رأسه من السجود ، قلت : يا ولدي ، وقت الصلاة . فلم يجب ، فالتفتّ إليه ، فإذا هو ميت .
تذكرة الأولياء — صفحة 288
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٨٨