الشخص ، فذهب إليه الحارث ، وقال في أذنه : إنّ اللّه تعالى يراك في هذه الحالة . فرمى الشخص السكين ، وترك المرأة ، وبكى ، وتاب على يد الشيخ رضي اللّه عنه ، وصار من الأبدال .
نقل أنّه ورث من أبيه سبعين ألف درهم ، فلم يأخذ منها شيئا ، وبعثه إلى بيت المال ، قال : لأنه قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « القدرية مجوس هذه الأمة » « 1 » ، وأبوه كان يقول بالقدر - أي كان قدريّا - فرأى في الورع أن لا يأخذ من ميراثه ، وقال :
صحّت الرواية عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يتوارث أهل الملّتين شتّى » « 2 » - أي :
أهل ملّتين مفترقين .
يحكى عن الجنيد رحمه اللّه أنه قال : مرّ بي الحارث المحاسبي ، فرأيت منه أثر الجوع ، فقلت : يا عمّي ، لا تدخل الدار فتتناول شيئا ؟ قال : نعم . فدخلنا
هامش
( 1 ) رواه أبو داود ( 4691 ) في السنة ، باب في القدر من حديث عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه أبي حازم سلمة بن دينار ، عن ابن عمر ، وقد جزم المنذري بأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر ، فالإسناد منقطع .
قال ابن الأثير في جامع الأصول 10 / 128 : ( القدرية ) في إجماع أهل السنة والجماعة :
هم الذين يقولون : الخير من اللّه ، والشرّ من الإنسان ، وإن اللّه لا يريد أفعال العصاة ، وسمّوا بذلك ، لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون اللّه تعالى ، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر اللّه وقضائه ، وهؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى ، فيقولون : أنتم القدرية ، حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من اللّه ، وأنكم أولى بهذا الاسم منا ، وهذا الحديث يبطل ما قالوا ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « القدرية مجوس هذه الأمة » ومعنى ذلك : أنهم لمشابهتم المجوس في مذهبهم ، وقولهم بالأصلين - وهما النور والظلمة - فإن المجوس يزعمون أن الخير من فعل النور ، والشرّ من فعل الظلمة ، فصاروا بذلك ثنوية ، وكذلك القدرية لما أضافوا الخير إلى اللّه ، والشرّ إلى العبيد ؛ أثبتوا قادرين خالقين للأفعال كما أثبت المجوس ، فأشبهوهم ، وليس كذلك غير القدرية ، فإن مذهبهم أن اللّه تعالى خالق الخير والشرّ ، لا يكون شيء منهما إلا بخلقه ومشيئته ، فالأمران معا مضافان إليه خلقا وإيجادا ، وإلى العباد مباشرة واكتسابا .
( 2 ) رواه أحمد في مسنده 2 / 178 ، وأبو داود ( 2911 ) ، والبيهقي في السنن 6 / 218 ، والخطيب في تاريخ بغداد 5 / 290 ، وابن ماجة ( 2731 ) ، والحاكم 4 / 345 عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده .