تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
وقال لشخص : إن أردت السلامة ، فسلّم على الدنيا تسليم الوداع ، وإن أردت الكرامة فكبّر على الآخرة بالترك . يعني اترك الدنيا والآخرة جميعا لتصل إلى اللّه تعالى . قال المعروف : ما رأيت أحدا تكون الدنيا حقيرا في عينه مثل داود ، فإنه لم يكن للدنيا ولا لأهل الدنيا عنده مقدار مثقال ذرة « 1 » حتى إذا كان يرى أحدا من أهل الدنيا يشتكي من الظلمة ، وكان متنفّرا من قواعدهم ورسومهم بحيث إذا كان يغسل قميصه يقول : أصادف قلبي متغيّرا ، لكن يحبّ الفقراء ويكرمهم . نقل أنّ الخليفة كان يعتقده ، ولا يجد إليه طريقا ، وكتب له مثالا ليدرّس الفقهاء ، وجاء إليه الوزير بالمثال ، وعنده فقير منكسر ، فأعرض عن الوزير ، وتوجّه إلى ذلك الفقير ، وأخذ المثال من وراء الظهر ، ولم يلتفت إلى الوزير ، ورمى المثال ، وقال للوزير : قل للخليفة : أنا أعمل بما أمرني اللّه تعالى ، فاترك أنت الفضول ، وكان صاحب مروءة . قال الجنيد رحمه اللّه : حجمه الحجّام ، فأعطاه دينارا ، قال الحجّام : هذا إسراف . قال : ليس بعابد من لا مروءة له ، إذ ورد في الخبر : « لا دين لمن لا مروءة له » « 2 » . نقل أنه دخل إليه بعضهم ، وجعل ينظر إليه ، فقال : أما علمت أنّهم كانوا يكرهون فضول [ النظر ، كما كانوا يكرهون فضول ] الكلام . نقل أن أبا يوسف القاضي ومحمد بن الحسن رحمهما اللّه إذا كانا يختلفان في مسألة يرفعان المسألة على داود ، وهو يفصل بينهما ؛ ولكن كان يتوجّه إلى محمد ، ويعرض عن أبي يوسف رضي اللّه عنه ، فإن كان الحقّ في جانب محمد ، يقول : الحقّ ما يرسمه محمد ، وإن كان في جانب أبي يوسف ، يقول :
هامش
( 1 ) في ( أ ) : مقدارا في عينيه ، حتى إذا . ( 2 ) الخبر من قول داود نفسه ، انظر حلية الأولياء 7 / 354 ، وتاريخ بغداد 8 / 350 . وقوله : إذ ورد . . ليس في ( أ ) .
تذكرة الأولياء — صفحة 287 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر