يا أبا سليمان ، أمّا الآداب فقد أحكمناها . فقال له داود : فأيّ شيء بقي ؟ قال العمل . قال داود : فنازعتني نفسي إلى العزلة ، فقلت لنفسي : جالسيهم ولا تتكلّمي في مسألة ، فجالستهم سنة ، وكانت المسألة تمرّ بي ، وأنا إلى الكلام فيها أشدّ نزاعا من العطشان إلى الماء الزّلال ، ولا أتكلّم به ، ثم صار أمر حالي إلى ما صار ، وقال : بصبري في سنة حصل لي عمل ثلاثين سنة « 1 » ، واللّه أعلم .
ثم وصل إلى حبيب الراعي ، وفتوحه في الطريقة حصلت منه ، ودخل الطريق برجوليّة تامّة ، ورمى جميع كتبه في الماء ، واختار الخلوة والعزلة ، وقطع الرجاء بالكلّية عن الخلق .
وكان له عشرون دينارا وصل إليه من ميراث ، فتقوّت به عشرين سنة ، حتى قال له بعض المشايخ : من الطريقة الإيثار لا الاختيار . قال : ليس هذا بمال يعدّ ذخيرة ، ولكن هو سبب لفراغ قلبي ، وأتقوّت به إلى يوم موتي .
وكان رحمه اللّه مشغولا بعمل الآخرة ، ولم يسترح من العمل إلى اليوم الآخر من عمره .
وكان ينقع الخبز بالماء ، ويأكل ويقول : إلى أن يمضغ الخبز يمكن أن يقرأ خمسين آية من كلام اللّه تعالى ، فلا ينبغي أن يضيّع العمر في أكل الخبز ومضغه .
قال أبو بكر بن عياش « 2 » : دخلت حجرة داود ، ألفيته يبكي ، وبيده كسرة خبز ، قلت : وما بك يا داود ؟ قال : أريد أن آكل هذه « 3 » الكسيرة من الخبز ، ولا أدري أنه حلال أم حرام ؟
وقال آخر : دخلت حجرة داود ، رأيت جرّة مملوءة من الماء ، ضربت عليها الشمس ، قلت : لم لا ترفعها ، ولا تحولّها من مكانها ؟ قال : وضعتها هناك ،
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 51 .
( 2 ) في ( ب ) : أبو بكر العياش .
( 3 ) في ( ب ) : يبكي وبيده الكسيرة . وما بينهما مستدرك من ( أ ) .