تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
شقيق : يا هذا ، إن لك صانعا حيّا عالما ، فاستحي منه واعبده ، ولا تعبد هذه الأصنام التي لا تضرّ ولا تنفع . قال : إن كان كما تقول فهو قادر على أن يرزقك ببلدك ، فلم أتعبت نفسك إلى ههنا للتجارة . فانتبه شقيق من هذا الكلام ، وأخذ في طريق الزهد ، ولمّا رجع اتّفق له مرافقة مع مجوسيّ ، قال له : يا فتى ، ما شغلك ؟ قال : التجارة . قال المجوسيّ : تطلب ما قدّر لك ، أو شيئا آخر لم يقدّر لك ؟ فالأوّل يصل إليك ألبتّة ، والثاني لا يصل إليك ، وإن اجتهدت إلى يوم القيامة . فبرد الدنيا على قلبه من هذا الكلام إلى أن جاء إلى بلخ ، واجتمع عليه إخوانه وأصحابه إذ كان فتى سخيّا يتفتّى ، ويعاشر الفتيان . وكان عليّ بن عيسى بن ماهان حاكما في بلخ ، ويحبّ كلاب الصيد ، فقد كلبا من كلابه ، واتّهم به شخص من جيران شقيق ، ومضى شقيق إلى الأمير وضمنه وقال : الكلب عندي ، أردّه إليكم إلى ثلاثة أيام ، فخلّوا سبيله . وانصرف شقيق مغتمّا مهتمّا لما صنع ، ولمّا كان اليوم الثالث كان رجل غائبا من المدينة ، رجع ، ووجد في الطريق كلبا عليه قلادة ، فأمسكه ، وأهداه إلى شقيق ، لأنه كان يشتغل به طمعا له في شيء يعطيه ، فلمّا جاء به إليه ، نظر شقيق ، فإذا هو كلب الأمير ، فسرّ به ، فحمله إلى الأمير ، وخلص من الضمان ، ورزقه اللّه تعالى الانتباه ، وتاب ممّا كان فيه . وقيل : كان سبب توبته وزهده أنّه رأى مملوكا يلعب ويمرح « 1 » في زمان قحط كان الناس مهتمّين ، فقال له شقيق : ما هذا النشاط الذي فيك ! أما ترى ما فيه الناس من الحزن والقحط ؟ قال المملوك : وما عليّ من ذلك ولمولاي قرية خالصة يحصل منها له من الغلّة ما يحتاج إليه . فانتبه شقيق من غفلته ، وقال : إن كان لمولاه قرية ، وهو مخلوق فقير ، وأنا مملوك لمالك الملوك والأملاك « 2 » ، وهو حيّ غنيّ . ثم إنه ترك الدنيا ، وليس يهتم لرزقه ، وبلغ من
هامش
( 1 ) في ( أ ) : يلعب ويمزح . ( 2 ) في ( أ ) : لمالك الملوك والأفلاك .