تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
نقل أن شقيقا رحمه اللّه أراد سفر الحجّ ، ووصل إلى بغداد ، وكان الخليفة هارون الرشيد ، ودعاه إلى مجلسه ، وقال : أنت شقيق الزاهد ؟ قال : أنا شقيق لا زاهد ، والزاهد أنت . قال هارون : كيف أكون أنا الزاهد ، ولي ملك ومملكة ؟ قال شقيق : لأنّ الدنيا قليل عند اللّه ، قال اللّه تعالى :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
[ النساء : 77 ] وأنت قنعت من هذا القليل ببعض ، والزاهد من يرضى ويقنع من الكثير بشيء قليل ، وأمّا أنا فكيف أكون زاهدا ولا ألتفت إلى الكونين ! فبكى هارون من هذا الكلام ، وقال : أوصني وعظني يا شيخ . فقال : اعلم أن اللّه تعالى أجلسك في مقام الصدّيق ، ويسألك الصدق ، كما يسأله عنه - يعني الصديق - وفي مقام الفاروق ، ويسألك الفرق بين الحقّ والباطل ، كما يسأله ، وفي مقام ذي النّورين ، ويسألك الحياء والكرم ، كما يسأله ، وفي مقام المرتضى ويسألك العلم والعدل ، كما يسأله . قال هارون : زدني . قال : إن اللّه دارا تسمّى جهنم ، وقد جعلك بوّابا لهذا الدار ، وأعطاك ثلاثة أشياء : المال ، والسيف ، والسوط ، وأمرك بأن تمنع الناس بهذه الأشياء عن جهنّم ، لا تمنع المحتاج عن المال ، وأدّب سيّىء الأدب بالمقرعة ، واقتصّ للمقتول عن القاتل بالسيف ، فإن عملت كذلك أنجيت ونجوت ، وإلّا أنت تقدّم إلى جهنم ، ويتبعك الناس . قال : زدني . قال : أنت كعين ، والعمال كالسواقي « 1 » الجارية منها ، فإن كانت العين صافية لا تضرّ كدرة السواقي ، وإن كانت العين كدرة لا ينفع صفاء السواقي « 2 » . قال : زدني . قال : إن كنت في بادية ، وأشرفت على الهلاك من العطش ، بكم تشتري جرعة من الماء ؟ قال هارون : بما يبيعون ويشترون ويطلبون أشتري . قال : فإن باعوا بنصف ملكك ، تشتري ؟ قال : نعم . قال : فإذا شربت ولم يخرج « 3 » من جوفك ، وقال شخص : أريد النصف الآخر من ملكك لأداويك حتى يخرج منك الماء المشروب . قال : أعطيه . قال : ولم تغترّ
هامش
( 1 ) في ( ب ) : والمال كالسواقي . ( 2 ) قوله : ( وإن كانت العين كدرة . . السواقي ) ليست في ( ب ) . ( 3 ) في ( ب ) : فإذا شريت ولم يخرج .