ينقلب دما من مشاهدة مثل هذه الأفعال ، ولا أقدر على السكوت . وكلامه قد أثّر في قلب الخليفة ، وأضمر منه ، ثم بعد مدّة أمر أن تنصب خشبة ليصلب عليها سفيان جزاء لسوء أدبه في حضرة الخليفة ، وسفيان كان في بيته غافلا عن ذلك ، وعنده سفيان بن عيينة ، وشخص آخر من المشايخ ، وهو كان نائما ، فقال أحدهما للآخر : نعلمه الحكاية أم لا ؟ وهو كان مستيقظا ، فسمع مقالتهم ، واستخبره عنهم « 1 » ، فقالوا ما جرى من الأمر ، فقال : لا أحبّ حياتي ؛ ولكن ينبغي أن لا يترك الحقّ ، فدمعت عيناه ، وقال : إلهي ، خذه أخذ عزيز مقتدر .
والخليفة كان جالسا على سرير الملك ، وعنده جماعة من خواصّه وأركان دولته ، سمعوا صوتا من جانب السقف ، وانهدم البيت ، ووقع السقف على الأرض ، وهلك الخليفة والذي حوله ، وجاء الخبر إلى سفيان ، وهو بعد جالسا في بيته مع الشخصين ، قالا له : يا شيخ ، دعاء مستجاب بهذه العجلة ! قال :
نعم ، إنّي ما أرقت ماء وجهي على هذا الباب قطّ .
نقل أنه استخلف خليفة آخر ، فاعتقد في سفيان اعتقادا عظيما إلى أن مرض سفيان ، وبعث إليه الخليفة طبيبا من خواصّ أطبائه ، ونظر الطبيب إلى قارورته قال : هذا رجل صار كبده من خوف اللّه دما ، وينزل إلى المثانة قليلا قليلا .
وكان الطبيب كافرا ، فآمن ، وقال : الدين الذي يكون فيه مثل هذا الشخص لا يكون باطلا . قال الخليفة : حسبت أنّي بعثت الطبيب إلى المريض ، والأمر كان بالعكس ، فإنّ الطبيب كان مريضا والمريض طبيبا .
نقل أن سفيان رحمه اللّه كان في أيام الشباب منحني الظهر ، فقيل له : يا إمام المسلمين ، مالك صار ظهرك في أوان الشباب منحنيا ؛ مع أن أترابك ليسوا كذلك ؟ ! وما كان يجيبهم حتى ألحّوا عليه ، قال : كان لي شيخ ، وهو كان عالما كبيرا نحريرا فاضلا ، وأنا كنت أتردّد إليه وأتّلمذ عليه ، فلمّا انقضى عمره ، ووصلت سفينة حياته إلى ساحل الأجل ، كنت عنده ، فإذا هو فتح عينيه وقال :
هامش
( 1 ) في ( ب ) : واستخبر عنهم .