تعالى عبادة أعلى من العلم ، ولذا أمر اللّه تعالى بطلب زيادة العلم حيث قال :
رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] وقال امتنانا على آدم عليه السلام :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[ البقرة : 31 ] وقد ورد في كلام بعض المشايخ « 1 » : أنّ الكرامة واقعة في الدرجة الرابعة عشرة من الطريقة ، والعلم في الدرجة الثمانية منها « 2 » ، وذلك لأنّ الكرامة من كثرة العبادة ، والعلم من كثرة التفكّر ، والثاني أفضل من الأول ، والحسن رحمه اللّه كان من كبار العلماء التابعين ، وأدرك صحبة كثير من الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين
أقول : والسرّ في ذلك أنّ أحوال الأولياء متفاوتة في الأوقات والأزمان بحسب تفاوتها قبضا وبسطا ، وحدة وكثرة ، والدليل عليه ما روي عن يعقوب عليه السلام أنه وجد ريح قميص يوسف عليه السلام لمّا خرج به بنيامين من مصر مع بعد المسافة ، وحين كان يوسف عليه السلام في الجبّ ما اشتمّ رائحة منه مع قربه ، ولهذا لا تكون أحوال الوليّ كلّها على طريقة واحدة ، وهذا ممّا لا سترة به ، واللّه أعلم .
نقل أنّ الشافعيّ وأحمد بن حنبل رحمهما اللّه كانا جالسين في مكان ، إذ طلع حبيب ، وتوجّه إليهما ، فقال أحمد : أريد أن أسأل منه مسألة . قال الشافعي رحمه اللّه : لا تسأله ؛ فإنه من قوم لا يخفى عليهم بتوفيق اللّه تعالى شيء . قال :
لا غنى عن السؤال . فلمّا جلس حبيب ، قال أحمد : ماذا تقول في شخص ترك صلاة واحدة من الخمس ، ولا يدري أيّ صلاة هي « 3 » ، كيف يفعل ؟ قال حبيب : هذا قلب غفل عن اللّه ، فليؤدّب ، وليؤمر بقضاء الصلوات الخمس .
فتحيّر أحمد من جوابه ، قال الشافعي رحمه اللّه : أما قلت لا تسأل منهم ؟ .
نقل عن حبيب أنّه كان بيده إبرة في ليلة مظلمة ، فضاعت عنه ، فأضيء البيت في الحال حتى وجدها ، فغمض عينيه ، وقال : لا ، لا ، لا أطيق أن أجد غير اللّه .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : وقد ورد عن بعض المشايخ .
( 2 ) كذا الأصلين ، وفي ( أ ) تحت كلمة ( الثمانية ) كتب : ( الثمانين ) .
( 3 ) في ( أ ) : أي الصلوات هي .