الحجّاج ، والحال أنّه كان في صومعة حبيب ، فسألوا حبيبا عنه ، قال : هو في الصومعة . فدخلوا الصومعة وطلبوه ، فلم يجدوه ، فخرجوا منها ، وقالوا : الذي يصنع معكم الحجّاج هو أقلّ جزائكم ؛ فإنّكم قوم كذّابون ، قلت هو في الصومعة ، وليس هو فيها . قال حبيب : هو داخل الصومعة بحضوري ، فإن كنتم لا ترونه فلا عليّ . فدخلوها مرّة أخرى وما وجدوه ، فتركوه ومضوا ، ثم خرج الحسن منها ، وقال : يا حبيب ، ما راعيت حقوق التعليم والتعلّم ، وسعيت بي إلى الظلمة .
قال : يا أستاذ ، لا تعترض عليّ ، فإنّك ما نجوت منهم إلّا بواسطة صدقي في هذا المقال ، فإنّي لو كذبت وكتمتك لهلكت أنا وأنت . قال الحسن : ماذا صنعت حتى ما رأوني ؟ قال : قرأت آية الكرسي تسع مرات و
آمَنَ الرَّسُولُ . . .
[ البقرة : 282 ] تسعا و
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
تسعا ، وقلت مرّة واحدة : يا ربّ ، استودعتك الحسن ، فاحفظه . قال الحسن : وضع بعضهم يده عليّ سبع مرات وما رآني .
نقل أنّ الحسن رحمه اللّه أراد يوما أن يذهب إلى موضع ، وجاء إلى جنب دجلة ، ووقف متفكّرا ، إذ جاء حبيب وقال : يا إمام ، لم وقفت هنا ؟ قال : أريد العبور ، ولا أجد زورقا أركب عليه . قال : يا أستاذ ، مالك لا تقدر أن تعبر على الماء ، وأنا من أقلّ تلاميذك ، وأنت شيخي ! أخرج الحسد من قلبك ، وبرّد الدنيا على فؤادك - يعني اترك محبّتها - واغتنم البلاء ، واعلم أن الأمور كلّها من اللّه تعالى ، ثم ضع رجلك على الماء واعبر . قال : وحطّ رجله على الماء ، وعبر دجلة ، والحسن ينظر إليه حتى خرّ مغشيّا عليه ، فلمّا أفاق قال حبيب :
مالك يا إمام المسلمين ؟ قال : أنت من تلاميذي ولمتني الساعة ، وعبرت دجلة ، وأنا بقيت اليوم في هذا الطرف متحيّرا ، فأنت تعبر غدا على الصراط ، وأنا أبقي كذلك متحيّرا ، كيف يكون حالي ؟ ثم قال : يا حبيب ، بم أدركت هذه المنزلة والدرجة ؟ قال : لأنّي أبيّض الباطن ، وأنت تسوّد الكاغد . قال :
يا عجبا ، أعلمي نفع غيري ، ولم ينفعني « 1 » .
ولا يتوهّم أحد أنّ مقام حبيب كان أعلى من مقام الحسن ، إذ ليس عند اللّه
هامش
( 1 ) انظر خبر عتبة الغلام مع الحسن صفحة 91 .