أحسن إليّ زيادة على عملي ، فإنّا إن ننقطع عن غيره ، ونعمل له ما بقي من العمر ، ونجتهد على طاعته فلا بدّ أننا ما نخيب عن رحمته . فأعرض عن الدّنيا بكلّيته ، واشتغل جميع عمره بعد ذلك في العبادة والإخلاص والزهد والورع حتى صار من الأولياء ، وصار مستجاب الدعوة بحيث يحتاج الناس من الأكابر وغيرهم إلى دعائه .
حكي أنه جاءت إليه امرأة عجوز باكية متضرّعة ، وقالت : إنّ لي ابنا قد غاب عن عيني « 1 » زمانا ، وأنا مشتاقة إليه ، وما بقي لي طاقة على فراقه ، وأريد أن تدعو اللّه تعالى عسى أن يردّه إليّ ببركة دعائك . قال حبيب : هل لك شيء من الدراهم والدنانير ؟ قالت : نعم ، فأمرها بالتصدّق ، ثم دعا لها ، وقال : إن اللّه تعالى يوصله إليك الساعة إن شاء اللّه تعالى . فما وصلت العجوزة إلى باب بيتها إلّا وقد رأت ابنها جائيا إليها ، فصاحت العجوزة ، وأخذت الابن وجاءت به إلى حبيب مسرورة شاكرة للّه تعالى ، فسأله حبيب ، وقال : كيف جئت ؟ قال : كنت في كرمان « 2 » خادما لشخص ، فبعثني إلى السوق في طلب لحم لأشتري له ، فاشتريت له لحما ، ورجعت إليه ، فهبّت ريح وحملتني ، وسمعت قائلا يقول :
يا ريح ، إلى أمّه . وكان ذلك ببركة دعاء حبيب رحمه اللّه ، وصدقة والدته
وحكي أنه رئي يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجّة في البصرة ، ويوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذي الحجّة بمكة في عرفات .
ووقع في البصرة قحط عظيم ، وحصل للفقراء ضرر ومحنة ، فاشترى حبيب طعاما كثيرا نسيئة ، وفرّقه على الفقراء ، وخاط خريطة ، ووضعها تحت رأسه ، فلما جاء إليه أرباب الديون للتقاضي أخرج الصرّة ، فإذا هي مملوءة من الدراهم ، فوفّى منها الديون .
وكان له فروة عتيقة يلبسها صيفا وشتاء ، فتركها مرّة على بعض الطرق في
هامش
( 1 ) في ( ب ) : قد غاب عنّى زمانا .
( 2 ) كرمان : ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة ، ذات بلاد وقرى ومدن واسعة ، بين فارس ومكران وسجستان وخراسان . معجم البلدان .