تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
فأعطاه ملحفة امرأته ، وجاء آخر فخلع قميصه وأعطاه ، وبقي عريانا ، فذهب إلى ساحل الفرات ، وبنى صومعة هناك ، واشتغل بالعبادة ليلا ونهارا ، وكان يأتي إلى الحسن البصري رضي اللّه عنه في بعض الأوقات ويتعلّم منه القرآن ، وكان بليدا ؛ ولذا سمّي بالعجمي ، فلمّا مضى عليه زمان من الدهر صار فقيرا في غاية الفقر والفاقة ، وامرأته كانت تطلب النفقة ، واضطربت أحواله ، وانقطعت عن الدنيا آماله ، فخرج من بيته متوجّها إلى صومعته ، واشتغل بالعبادة إلى الليل ، ثم رجع إلى البيت ، فقالت المرأة : أين كنت ؟ وبأيّ شيء اشتغلت ؟ قال : أعمل لشخص عملا . قالت : وأين الأجرة ؟ قال : الذي أعمل له كريم استحييت أن أطلب منه الأجرة ، إلّا أنه سيعطينا دفعة واحدة ، وسمعت أنه يعطي في كلّ عشرة أيام . وكذلك كان يتردّد إلى صومعته ، ويشتغل بالعبادة حتى تمّت العشرة ، وقع في اليوم العاشر بعد الظهر في باله : أنا في هذه الليلة بأيّ شيء أذهب إلى البيت ؟ وماذا أقول لهم ؟ وكيف أعتذر لديهم ؟ وغرق في بحر الفكر متوجّها إلى اللّه تعالى ، إذ جاء في تلك الساعة جماعة إلى باب داره ، ومع كلّ واحد شيء من أسباب النفقة من الدقيق واللحم ، والسمن والعسل ، وما لا بدّ منه ، ويحتاج إليه من جهة المعاش ، ومعهم شابّ صبيح الوجه ، كأنّ وجهه القمر ، ومعه صرّة من الدراهم ، ودقّ الباب ، فجاءت امرأة الحبيب إلى الباب ، فقال لها الشاب : بعث لكم هذه الأشياء الكريم الذي يعمل له حبيب كلّ يوم ، ويقول : قولي لحبيب : زد أنت في العمل ، ونحن نزيد لك في الأجرة ، فكلّما تزيد نزيد . وحطّوا أحمالهم ومضوا ، ثم حبيب صبر في الصومعة إلى أن جنّ عليه الليل ، فقام متفكّرا خجلا ، وقصد البيت يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى ، قائلا في نفسه : ماذا أقول لأهلي ؟ وكيف أعتذر عندهم ؟ فلمّا بلغ باب البيت اشتمّ من الداخل رائحة الطعام المطبوخ ، فدقّ الباب ، واستقبلته امرأته في غاية الفرح والسرور ، وقالت : إنّ الكريم الذي تعمل له أكرمك وأحسن إلينا ، وبعث لنا كذا وكذا ، وقال : قولي لحبيب : كلّما تزيد في العمل ، نحن نزيد في أجرك . فتحيّر حبيب وتعجّب من ذلك ، وقال : ما عملت عشرة أيام ، فإنّه تعالى قد
تذكرة الأولياء — صفحة 83 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر