القدر ، وأرته ما في القدر ، وقالت : ليس هذا إلّا من شؤم أفعالك ، ولؤم خصالك ؛ تأكل الرّبا ، وتنهر السائل ، فلا جرم يكون حال طعامنا « 1 » مثل ما ترى ، ولا نعلم أن الحال في المآل كيف يكون . فلمّا رأى حبيب حال القدر ، وتفكّر في حاله ، وقبح فعله ، اشتعلت نار الخوف في صدره بحيث ما انطفأت أبدا ، وقال : يا امرأتي ، إنّي تبت إلى اللّه تعالى . وما طلع ذلك اليوم من بيته ، وكان متفكّرا متحيّرا إلى الغد ، وفي الغد خرج من البيت على نيّة أن يجمع أمواله ، ولا يعطي بعده شيئا بالرّبا ، فالتقى بجماعة من الصبيان يلعبون ، قال بعضهم لبعض : جاء حبيب آكل الربا ، تنحّوا عن طريقه لئلا يصل إليكم غباره « 2 » وتكونون أشقياء مثله . فسمع حبيب كلام الصبيان ، وتأثّر في قلبه تأثّرا عظيما ، فتوجّه إلى مجلس الحسن البصري رحمه اللّه ، فحين دخل المجلس جرى على لسان الحسن شيء سلب عقل حبيب ، وغشي عليه ، فلمّا أفاق تاب على يد الشيخ رحمه اللّه ، وندم على ما فات ، وخرج ، فإذا هو بغريم رآه ، وأراد أن يهرب منه ، صاح حبيب خلفه وقال : لا تهرب ، إلى اليوم أنت كنت هاربا منّي ، واليوم أنا أهرب منك . وجاء إلى البيت ، فالتقى بالقيان المعهودين ، وهم على ما كانوا من اللعب واللهو ، فلمّا أحسّوا به قالوا : طرّقوا لحبيب التائب ليعبر ، ولا يصل إليه منّا أذى ، فنصير عصاة للّه تعالى . قال حبيب : إلهي وسيّدي ومولاي ، صالحت معك يوما ؛ بل لحظة تدقّ لي طبول القبول في القلوب ، وأذكر بالخير ، فكيف إن أبقى على هذا الحال وأستمرّ ؟ ثم أمر مناديا ينادي : ألا من له على حبيب حقّ فليحضر ويأخذ منه . فحضر خلق كثير ممّن عاملهم بالرّبا ، وأخذوا منه حقوقهم ، ولم يبق شيء أصلا ، فجاء آخر وادّعى عليه شيئا ،
هامش
( 1 ) في ( ب ) : حال طعامك .
( 2 ) روى أبو داود ( 3331 ) في البيوع ، باب في اجتناب الشبهات ، والنسائي 7 / 243 في البيوع ، باب اجتناب الشبهات عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ، فمن لم يأكله أصابه من بخاره » قال ابن عيسى شيخ أبي داود : « أصابه من غباره » .