تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
والآخرة . فقال : كيف يكون ذلك ؟ قال : ازهد في الدنيا ، فإذا زهدت فيها ترى نفسك غنية عن الخلق ، وتراهم يحتاجون إليك ، وهذا هي السلطنة في الدنيا ، وإذ حصلت لك هذه السلطنة في الدنيا ترجو أن تصير سببا لحصول السلطنة في الآخرة . وقال لمالك [ بن دينار ] رحمه اللّه : حفظ اللّسان أصعب على الناس من حفظ الدرهم والدينار . وقيل : دخل على قتيبة بن مسلم « 1 » وعليه جبّة صوف ، قال له قتيبة : لم لبست الصوف ؟ فسكت وما تكلّم ، ثم سأله ثانيا ، فلم ينطق ، قال : لم لا تتكلّم ؟ قال : وما أقول ؟ فإنّي وإن تكلّمت في ذلك يكون كلامي إمّا ثناء على زهدي ، وإمّا شكاية من اللّه تعالى على الفقر ورأى ابنا له في بعض الأيام يمشي ويتبختر في مشيه ، فدعاه إليه ، وقال : هل تعرف من أنت ؟ اشتريت أمّك بمئتي درهم ، وأبوك من ليس بين الناس أحد أذلّ وأنقص منه ، فهذا التبختر من أين لك ؟ قيل له : كيف أنت ؟ قال : كيف يكون من ينتقص عمره ، وتزداد ذنوبه . وكان في المعرفة راسخا . ومن كلامه أنه قال : ما رأيت شيئا إلّا ورأيت اللّه فيه « 2 » . وقيل له : تعرف اللّه ؟ فسكت ساعة ، وأطرق رأسه ، ثم رفع رأسه ، وقال : من عرفه عزّ وجل قلّ كلامه ، وكثر تحيّره . وقال : من عرف اللّه تعالى وعزّت به معرفته حقّ عليه أن لا ينظر إلى غيره ، ولا يختار عليه شيئا ، واللّه أعلم . * * *
هامش
( 1 ) هو قتيبة بن مسلم الباهلي ، أبو حفص ( 49 - 96 ه ) أمير فاتح ، من مفاخر العرب . ( 2 ) في هامش ( أ ) جاء ما نصّه : نعوذ باللّه من هذا الكلام المخالف لقوله تعالى :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ . . .الآية [ الأنعام : 103 ] . أقول : والكلام قد بني على حذف ، أي : ورأيت صنع - أو قدرة - اللّه فيه .