والآخرة . فقال : كيف يكون ذلك ؟ قال : ازهد في الدنيا ، فإذا زهدت فيها ترى نفسك غنية عن الخلق ، وتراهم يحتاجون إليك ، وهذا هي السلطنة في الدنيا ، وإذ حصلت لك هذه السلطنة في الدنيا ترجو أن تصير سببا لحصول السلطنة في الآخرة .
وقال لمالك [ بن دينار ] رحمه اللّه : حفظ اللّسان أصعب على الناس من حفظ الدرهم والدينار .
وقيل : دخل على قتيبة بن مسلم « 1 » وعليه جبّة صوف ، قال له قتيبة : لم لبست الصوف ؟ فسكت وما تكلّم ، ثم سأله ثانيا ، فلم ينطق ، قال : لم لا تتكلّم ؟ قال : وما أقول ؟ فإنّي وإن تكلّمت في ذلك يكون كلامي إمّا ثناء على زهدي ، وإمّا شكاية من اللّه تعالى على الفقر
ورأى ابنا له في بعض الأيام يمشي ويتبختر في مشيه ، فدعاه إليه ، وقال :
هل تعرف من أنت ؟ اشتريت أمّك بمئتي درهم ، وأبوك من ليس بين الناس أحد أذلّ وأنقص منه ، فهذا التبختر من أين لك ؟
قيل له : كيف أنت ؟ قال : كيف يكون من ينتقص عمره ، وتزداد ذنوبه .
وكان في المعرفة راسخا .
ومن كلامه أنه قال : ما رأيت شيئا إلّا ورأيت اللّه فيه « 2 » .
وقيل له : تعرف اللّه ؟ فسكت ساعة ، وأطرق رأسه ، ثم رفع رأسه ، وقال :
من عرفه عزّ وجل قلّ كلامه ، وكثر تحيّره .
وقال : من عرف اللّه تعالى وعزّت به معرفته حقّ عليه أن لا ينظر إلى غيره ، ولا يختار عليه شيئا ، واللّه أعلم .
* * *
هامش
( 1 ) هو قتيبة بن مسلم الباهلي ، أبو حفص ( 49 - 96 ه ) أمير فاتح ، من مفاخر العرب .
( 2 ) في هامش ( أ ) جاء ما نصّه : نعوذ باللّه من هذا الكلام المخالف لقوله تعالى :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ . . .الآية [ الأنعام : 103 ] .
أقول : والكلام قد بني على حذف ، أي : ورأيت صنع - أو قدرة - اللّه فيه .