سبقتكم إلى الاسلام طرا صغيرا ما بلغت أوان حلمي ( 1 )
ولم يعارضه أحد من الصحابة ، بل وافقوا على ذلك ، وهو اجماع منهم على أن
اسلامه صحيح في أعلى مراتب الصحة ، وايمانه كامل في أقصى مراتب الكمال ،
ويقينه في أعلى مراتب اليقين ، والا لم يتم الافتخار .
وأما تاسعا ، فلأن أخبارنا قد وردت بايمان أبي طالب ، وأنه لم يشرك قط ، بل
كان على دين عيسى ( عليه السلام ) ، وحين بعث محمد ( صلى الله عليه وآله ) آمن به وصدقه ، بل استفاضت
الأخبار بأنه ( عليه السلام ) عالم بنبوته قبل بعثته ، مصدق برسالته قبل ولادته .
ومما يشهد بذلك ما رواه ثقة الاسلام في كتاب الكافي ، عن عبد الله بن مسكان ،
قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ان فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب تبشره بمولد
النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال أبو طالب : اصبري سبتا أبشرك بمثله الا النبوة . وقال : السبت
ثلاثون سنة . الخبر ( 2 ) ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الفصول المهمة ص 32 ، وفيه طفلا مكان طرا .
( 2 ) أصول الكافي 1 : 452 ح 1 .
( 3 ) ونقل الشيخ الجليل محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني في تفسير متشابهات
الآيات ( 2 : 64 - 66 ) عن دلائل النبوة وتاريخ بغداد وتفسير الثعلبي أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال
عند وفاة أبي طالب : وصلتك رحم وجزيت خيرا ، كفلتني صغيرا وحضنتني كبيرا ،
وجزيت عني خيرا ، ، ثم أقبل على الناس فقال : أم والله لأشفعن لعمي شفاعة يعجب لها
الثقلان فدعا له ، وليس للنبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يدعو بعد الموت لكافر ، لقوله تعالى ( ولا تصل
على أحد منهم مات أبدا ) ولقد كان إبراهيم ( عليه السلام ) قال ( رب اغفر لي ولوالدي ) فلما
تبين له أنه عدو لله تبر أمنه ، ثم قبل الشفاعة له والشفاعة لا تكون الا لمؤمن ، لقوله ( ولا
يشفعون الا لمن ارتضى ) .
ثم إنه أمر عليا من بين أولاده الحاضرين بتغسيله وتكفينه ومواراته دون عقيل
وطالب ، ولم يكن من أولاده من آمن في تلك الحال الا علي وجعفر ، وكان جعفر في بلاد
الحبشة ، ولو كان كافرا لما أمر ابنه المؤمن بتوليته ، ولكان الكافر أحق به .
ومما يدل على ايمان أبي طالب اخلاصه في الوداد لرسول ( صلى الله عليه وآله ) والنصرة له بقلبه
وينقص عنه .
ومن أشعاره الدالة على ايمانه ما يزيد على ثلاثة آلاف بيت ، يكاشف فيها من يكاشف
النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ويصحح نبوته منها قوله لبني هاشم :
أوصى بنصر النبي الخير مشهده * عليا ابني وعم الخير عباسا
وقوله لحمزة :
صبرا أبا يعلي على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا
فقد سرني إذ قلت انك مؤمن * فكن لرسول الله في الله ناصرا
وقوله لابنه طالب :
أترى أراه واللواء أمامه * وعلي ابني للواء معانق
وكتب إلى النجاشي :
تعلم أبيت اللعن ان محمدا * نبي كموسى والمسيح بن مريم
أتى بالهدى مثل الذي أتيا به * فكل بحمد الله يهدي ويعصم
وقوله لما تحصن في الشعب :
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب
إلى غير ذلك من أشعاره القيمة التي تنبي عن ايمانه واعتقاده الراسخ ( منه ) .