وكتب بشر المريسيّ إلى منصور بن عمّار : بلغني اجتماع النّاس عليك ، وما حكي من العلم ، فأخبرني عن القرآن خالق أم مخلوق ؟ . فكتب إليه منصور : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، عافانا اللّه وإيّاك من كلّ فتنة ، فإنّه إن يفعل فأعظم بها من نعمة . وإن لم يفعل فتلك أسباب الهلكة ، وليست لأحد على اللّه بعد المرسلين حجّة . نحن نرى أنّ الكلام في القرآن بدعة اشترك فيها السّائل والمجيب . فتعاطى السّائل ما ليس له ، وتكلّف المجيب ما ليس عليه ، وما أعلم خالقا غير اللّه ، وما دون اللّه مخلوق ، والقرآن كلام اللّه [ ولو كان القرآن خالقا لم يكن للذين وعوه إلى اللّه شافعا ، ولا بالذين ضيّعوه ماحلا ] ، فانته بنفسك وبالمختلفين في القرآن إلى أسمائه التي سمّاه اللّه بها تكن من المهتدين .
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأعراف : 180 ] ولا تسمّ القرآن باسم من عندك ، فتكون من الضّالين ، جعلنا اللّه وإيّاك من
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
« 1 » [ الأنبياء : 48 ] .
وكتب إليه بشر أيضا يسأله عن قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 4 ] كيف استوى ؟ . فكتب إليه منصور : استواؤه غير محدود ، والجواب فيه تكلّف ، ومسألتك عن ذلك بدعة ، والإيمان بجملة ذلك واجب . قال اللّه تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
وحده ، ثم استأنف الكلام فقال :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
فنسبهم إلى الرّسوخ في العلم بأن قالوا لمّا تشابه منه عليهم :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
[ آل عمران : 7 ] فهؤلاء هم الذين أغناهم الرّسوخ في العلم عن الاقتحام على السّدد المضروبة دون
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 13 / 75 ، 76 . مختصر تاريخ دمشق 25 / 264 ، 265 ، وما بين معقوفين مستدرك منهما .