تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
ما تلاعبت بهم كما يتلاعب الصّبيان بالكرة ، ولكنّ النّاس غير هؤلاء . فقلت له : ومن هم ؟ . فقال : قوم في مسجد الشّونيزيّ ، قد أضنوا قلبي ، وأنحلوا جسمي ، كلّما هممت بهم أشاروا إلى اللّه تعالى ، فأكاد أحترق . قال الجنيد : فانتبهت ولبست ثيابي ، وجئت إلى مسجد الشّونيزيّ ، وعليّ ليل ، فلمّا دخلت المسجد إذا أنا بثلاثة أنفس جلوس ، ورؤوسهم في مرقّعاتهم ، فلما أحسّوا أنّي قد دخلت المسجد ، أخرج أحدهم رأسه ، وقال : يا أبا القاسم ، أنت كلّما قيل لك شيء تقبل . قيل : إنّ الثّلاثة الذين كانوا في مسجد الشّونيزيّ : أبو حمزة ، وأبو الحسين النّوري ، وأبو بكر الزّقّاق « 1 » . وقال أبو بكر الدّقيّ : « 2 » حدّثني أبو بكر الزّقاق قال : كان سبب ذهاب بصري أنّي خرجت في وسط السّنة أريد مكّة ، وفي وسطي نصف جلّ « 3 » ، وعلى كتفي نصف جلّ ، فرمدت عيني في الطريق ، فكنت أمسح دموعي بالجلّ ، فأقرح الجلّ الموضع ، وكان يخرج الدّم مع الدموع ، فمن شدّة الإرادة ، وقوّة سروري بحالي لم أفرّق بين الدّموع والدّم ، وإذا أثّرت الشمس في يدي وضعتها على عيني رضى منّي بالبلاء « 4 » . وقال بعض أصحابه : كنت مع أستاذي أبي بكر الزّقّاق فمرّ حدث ، فنظرت إليه ، فرآني أستاذي وأنا انظر إليه ، فقال : يا بني ، لتجدنّ غبّه ولو بعد حين . فبقيت عشرين سنة ، وأنا أراعي ، ما أجد ذلك الغبّ . فنمت ليلة ، وأنا متفكّر فيه ، فأصبحت وقد نسيت القرآن كلّه « 5 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 5 / 443 . ( 2 ) في تاريخ بغداد الرقي ، وهو أبو بكر محمد بن داود الصوفي الدقي ، انظر الأنساب 5 / 327 . ( 3 ) الجلّ من المتاع : البسط . القاموس . ( 4 ) تاريخ بغداد 5 / 442 ، الأنساب 6 / 291 . ( 5 ) تاريخ بغداد 5 / 443 .